مقالات مختارة

الخميس,14 يناير, 2016
عنصرية خفية ضد المسلمين! وإعلاء للذات عبر تنكيس الآخر

الشاهد _ يعكس الغضب الأوروبي بشأن “التمييز الجنسي الذي يمارسه الرجل المسلم” حاجة للشعور بالعلو الثقافي الغربي. وتُظهِر النقاشاتُ الألمانية -الدائرة حول ذلك إثر أحداث التحرش الجماعي المُشين في مدينة كولونيا- الشوفينيةَ الثقافية التي توظِّف حقوق المرأة كوسيلة للتغطية على العنصرية المحمولة في طيّات هذه النقاشات. الألمانية خولة مريم هوبش تحلل لموقع قنطرة مضامين النقاش الدائر في ألمانيا حول أحداث كولونيا.

صرنا فجأة نعيش في بلد يتعين على المرء فيه القلق الدائم بشأن كرامة وأمن النساء، لكن هذا ليس بسبب دراسة أوروبية خلصت إلى أن ثلث النساء في ألمانيا تعرضن لعنف جسدي أو جنسي وليس أيضا بسبب التمييز الجنسي المتزايد والصورة التقليدية المحتقرة للمرأة والتي تنتشر في الحياة اليومية والثقافية الشعبية وتظهر في كليبات الأغاني المصورة واللوحات الإعلانية وأغلفة المجلات وأفلام هوليوود، فقد اعتدنا على هذه الأمور منذ أمد طويل.

يتعلق الأمر هنا بتهديد يشكله الرجل المسلم على المرأة الألمانية ، لذا فنحن لا نتناقش الآن حول العنف الجنسي ضد المرأة وهو ما كان يحرى بنا فعله، لكننا نتحدث حول الرجل المسلم وذلك بالرغم من عدم وجود أدلة حتى الآن على تنامي التحرشات الجنسية بسبب المهاجرين أو اللاجئين. وكان تقرير للهيئة الألمانية الاتحادية لمكافحة الجريمة قد أشار في أكتوبر 2015، إلى أن معدل تورط اللاجئين في الجريمة لا يزيد عن متوسط المعدل بالنسبة للفرد الألماني، كما ذكر التقرير أن نسبة الاعتداءات الجنسية المرتكبة من قبل اللاجئين هي “أقل من واحد بالمئة” من إجمالي الجرائم.

والآن تقف هذه البيانات الموضوعية في مواجهة حوادث التحرش التي شهدتها مدينة كولونيا ليلة الاحتفال بالعام الجديد، والتي تتناسب مع القوالب الجاهزة (الكليشيهات) حول “الرجل المسلم الذي لا يستطيع التحكم في غرائزه”. بالطبع يجب على المرء هنا أن يتساءل عما إذ كانت صورة المرأة في أجزاء مما يطلق عليه العالم الإسلامي، تعزز من التعامل الإشكالي تجاه النساء.

أما بالنسبة لأصحاب الخطاب السياسي الشعبوي اليميني ممن يعتقدون أنهم في مواجهة صراع ثقافي، فعليهم أت يجيبوا على فكرة أن الإسلام يمكن أن يكون شريكا وليس مشكلة في مواجهة العقلية المحتقرة للمرأة. الجلي أيضا أن الجناة لا يتبعون بأي حال تعاليم القرآن فقد تجاهلوا بالتأكيد النهي القرآني عن الخمر.
Jean-Léon Gérôme;: Harem Pool; Quelle: privat جان ليون جيروم

الغرب كان ينظر للإسلام كدين إغراء إباحي غير متحضر: في الوقت الذي سادت فيه في ألمانيا قيم جنسية محافظة مسيحية، كان يتم تصوير هذا الأمر كضمان للتقدم والحضارة ووضع حدود مع القيم الجنسية “المنفتحة” بين المسلمين. في الوقت نفسه كان الشرق وقتها يمثل مساحة يطلق فيه الرجل الأبيض العنان لخياله إذ يرى فيه مكانا لإغراء نسائي لا حدود له.

الغرب كان في الماضي ينظر إلى الإسلام كـ “دين يحث على الغواية الإباحية”

يعتمد التوجه المعادي للمسلمين منذ القدم، على وضع الجنس بين المسلمين في صورة شديدة التناقض لما هي عليه في الغرب. وهو أمر يكشف عن الغرب أكثر مما يكشف عن الشرق. ففي الوقت الذي سادت فيه في ألمانيا قيم جنسية محافظة مسيحية، كان يتم تصوير هذا الأمر كضمان للتقدم والحضارة ووضع حدود مع القيم الجنسية “المنفتحة” بين المسلمين. في الوقت نفسه كان الشرق وقتها يمثل مساحة يطلق فيها الرجل الأبيض العنان لخياله إذ يرى فيه مكانا لغواية نسائية لا حدود له. كانت النظرة وقتها للإسلام كدين غير متحضر للغواية المباحة.

لكن الصورة تغيرت بعد الثورة الجنسية في ستينيات القرن الماضي: ففجأة يتم الترويج في ألمانيا لعلاقات جنسية حرة يحددها كل شخص بنفسه. وفي هذه المرحلة تغيرت النظرة للإسلام ليتحول إلى دين صارم يعادي الجسد والمتعة. وتوضح الصورة التي تكونت على الإسلام في الماضي وفي الوقت الحالي، الطريقة التي نرغب من خلالها في الغرب أن نرى أنفسنا، بشكل أكبر مما نرغب برؤية التنوع فيما يعرف بالعالم الإسلامي.

وفي تعليق لصحيفة “دي فيلت” الألمانية ورَدَ ما يلي: “ما هي روح أوروبا؟ احترام المرأة هو بكل تأكيد جزء منها. وهذا يمثل اختلافا كبيرا عن التقاليد العربية وهو أمر يتعين على اللاجئين قبوله”، لقد رأت الصحيفة بذلك أن سبب علوّ الثقافة الأوروبية يرجع إلى حقيقة قدرتها على “تجحيم الذكورة الأوروبية”.

فالأوروبي فارس نبيل والمسلم “همجي غير متحضر يقمع النساء”. ربما يتسبب إسلاميون متشددون في تعزيز مثل هذه النظرة ثنائية القطب، لكن هذا التقسيم الشديد البساطة للعالم بين الطيب والخبيث، يعزز هو الآخر من صورة أصولية للعالم.

 

العنف الجنسي على مستوى العالم

لا يمكن بالتأكيد إنكار وجود نساء يتعرضن للتمييز العنصري الممنهج في دول سلطوية فيما يعرف بالعالم الإسلامي. لكن هذا لا ينفي انتشار العنف الجسدي والجنسي ضد المرأة بشكل كبير في العالم أجمع، لدرجة جعلت منظمة الصحة العالمية تتحدث عن “معدلات وبائية”، إذ ينتشر في جميع الدول والطبقات. وسواء فكرنا في التوترات التي أعقبت فضائح الاغتصاب في الهند الهندوسية أو في العنف المنزلي والجسدي في ألمانيا، فإن العامل المشترك هو أن العنف والتمييز الجنسي ضد المرأة، يبقى ظاهرة جماعية عالمية تحدث في جميع الطبقات.

وبالرغم من ذلك فإن هناك توجها في الرأي العام لربط التمييز ضد المرأة بصفات الإسلام، اِنطلاقا من أن الدين هو الذي يمنح العقلية الذكورية الأرضية الخصبة التي تحتاجها. يجب التفرقة هنا بين الممارسات الثقافية الذكورية التي صارت منتشرة على مستوى عالمي وبين الدين الإسلامي، الذي يستخدم أحيانا كملصق عام لتبرير مثل هذه الممارسات المنبعثة في الأساس من دوافع مختلفة.

وزير العدل الألماني هايكو ماس. Foto: picture-alliance/dpa/P. Zinken

علق وزير العدل الألماني هايكو ماس على التحقيقات الخاصة بأحداث كولونيا قائلا: “لا يهتم قانون العقوبات بالبلد الذي جاء منه شخص ما ولكن بما اقترفه” من جرم، مؤكدا أنه لا يجب وضع جميع اللاجئين في إطار الشك العام.

ثمة رد على وجهة النظر التي تقول الآن إن الرجال المسلمين تربوا على استباحة النساء طالما لا يرتدين الحجاب، ويتمثل الرد في أن ارتداء الحجاب لم يردع مثل هؤلاء الرجال عن التحرش بالمحجبات. وتدعو ناشطات مسلمات في مجال حقوق المرأة (اثنتان منهن حاصلتان على جائزة نوبل للسلام وترتديان الحجاب) إلى استخدام تعاليم الإسلام كوسيلة لمكافحة الكيانات الذكورية. أما بالنسبة للناشطة النسوية الألماية “أليس شفارتسر” فإن قطعة القماش على رأس المرأة هي تجسيد للتمييز الجنسي، الذي ورَّدَهُ إلى ألمانيا الجناة في أحداث محطة قطارات كولونيا.
تجاوز الأنانية

التصور بأن النساء مضطرات للحجاب لأن الرجال المسلمين لا يمكنهم التحكم في أنفسهم، يتغافل في الحقيقة أن تكليف الرجال بغض البصر(سورة النور) وإحسان معاملة النساء جاء سابقا للآية الخاصة بحجاب النساء.

تتمثل الفلسفة التي يركز عليها الإسلام بالنسبة للجنسين على فكرة التغلب على الأنانية وهو أمر يشمل على استخدام العقل في توجيه الغريزة بهدف تنمية صفات أخلاقية، فمصطلح “الجهاد” الذي يساء استخدامه في معظم الأحيان، يتعلق في الأساس بجهاد النفس والإحساس بالذات، فهل تتناسب هذه الصورة للرجل المسلم الذي تحركه غرائزه مع صورة الإنسان في الإسلام؟ ليس بالفعل!

لكن هذا التصور يستخدم بالرغم من ذلك لإظهار الرجل الغربي كرجل متحضر وواع رغم الثقافة الجمعية التي لا تخبئ المظاهر الجنسية، وذلك عن طريق التأكيد على رجعية وبدائية الغرباء بشكل يساعد في إظهار الناس بشكل أرقى من الآخر. هل نحن بصدد الحديث عن عنف ذكوري وتمييز جنسي؟

لسنا بحاجة هنا لبحث الأمر داخل صفوفنا (الغربية) حين نصب المشكلة برمتها على الرجل المسلم. فشيطنة الرجل المسلم تظهر الشكل المثالي لغالبية المجتمع الألماني الذي من المفترض أنه نفذ مشروع العدالة بين الجنسين.

ليس من النادر أن يخبئ الغضب حول التمييز الجنسي بين المسلمين، خلفه عنصرية ضد المسلمين تنطلق من الخطاب المتحرر حتى تغطي على الخطاب الشعبوي اليميني الفج المتخفي خلفها.

المثير للدهشة هو حقيقة أن الأصوات التي أخذت على عاتقها مهمة التصدي للذكورية في النقاش الدائر حاليا بشأن ما حدث في كولونيا خلال الاحتفال بالعام الجديد، هم من برزوا حتى الآن من خلال مواقفهم المعادية للمرأة. الاستياء الحديث القديم من الرجل المسلم ليس أكثر من مجرد دليل على الشوفينية الثقافية التي تستخدم حقوق المرأة للتغطية على التمييز الجنسي والعنصرية الموجودين بين صفوفها.

خولة مريم هوبش