كتّاب

الأربعاء,21 سبتمبر, 2016
عندما يمارس كورشيد نفس “فضائع” الطرابلسيّة…هنشير “ستيل جمنة” نموذجا

لم تكن التقييمات الصادرة عن مختلف الفاعلين السياسيين و الإجتماعيين بشأن عمل حكومة الحبيب الصيد بفريقها الأول و الثاني مجانبة للصواب عندما أشارت إلى النجاحات الأمنيّة المحقّقة و الفشل في تحقيق نقلة نوعيّة في الجانبين الإجتماعي و الإقتصادي ما إستوجب تغييرها في إطار مبادرة لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إنتهت بحكومة وحدة وطنيّة صاغت تسع أحزاب و ثلاث منظمات وطنية كبرى أهدافها و أولوياتها للمرحلة المقبلة.

حكومة يوسف الشاهد تمكّنت من توفير سند سياسي واسع لها تجلّى على وجه الخصوص في حجم الدعم السياسي و البرلماني إثر مشاركة مكونات أخرى غير الباعي الإئتلاف السابق في تركيبة و إعلان أخرى لم تشارك في التركيبة مساندة هذه الحكومة و التوجه العام الذي يكرّس المشاركة و التوافق و إدارة الإختلاف بالحوار و هو العنوان الرئيسي تاذي ركنت إليه النخب التونسية لتنجح نموذجا فريدا عن باقي التجارب في المنطقة.

بشيء من الأمل و كثير من التفاؤل إستقبل التونسيين إتجاه نخبهم السياسية و المدنية نحو أسلوب الحوار و التوافق و نحو تجاوز التجاذبات و التطاحن الإيديولوجي الذي أفشل تجارب مماثلة و كاد أن يعصف بالتجربة التونسية نفسها قبل الحوار الوطني و هو ما ترجمه مشاركة اليسار و القوميين و الإسلاميين و اللبراليين في حكومة واحدة تحت عنوان الوحدة الوطنيّة.

إذا كانت اغلب الفعاليات و الخلفيات الفكرية و السياسية ممثلة في حكومة الشاهد فإنّ الأمر لا ينفي وجود بعض الإنفلاتات التي قد تعصف بحكومة الشاهد و قد تساهم بشكل أو بآخر في ضرب فكرة الوحدة الوطنية نفسها و إعادة طرح الكثير من التجاذبات من داخل منظومة التوافق و السلطة نفسها من ذلك ما يأتيه كاتب الدولة المكلف بأملاك الدولة والشؤون العقارية مبروك كورشيد من ممارسات و تصريحات في الفترة الأخيرة.

تجربة “هنشير ستيل” بمدينة جمنة في ولاية قبلّي كانت نموذجيّة بكلّ المقاييس و كذا تجارب أخرى في الكثير من الجهات حيث إستعاد التونسيون أملاكهم التي إفتكّتها العائلة الحاكمة و زمرتها زمن الفساد و الإستبداد في عهد الدكتاتور الفار بن علي و الأهم من هذا كلّه طرق التسيير و الإشراف المواطني الذي لم ينفي الدولة و لا تجاوز سقفها بل كان إجرائيّا سلوكا مواطنيا يستحق الدعم و التنويه غير أن كورشيد و من أيامه الأولى قرّر بشكل غير مدروس قلب المعادلة ليعيد الأمور إلى وضعها السابق الفاسد بطبيعته ما أثار موجة غضب كبيرة.

لم يكتفي كاتب الدولة مبروك كورشيد بإثارة ملف “هنشير ستيل” الذي إستعاده أهله فحسب بل و مرّ إلى القول بأن أن الاستيلاءات على الأملاك العمومية بعد 14 جانفي 2011 فاقت تلك التي نهبتها عائلة بن علي وأصهاره و التجمع المنحل مضيفا أن هذه الممتلكات ضخمة وتفوق قيمة الأموال المنهوبة قبل الثورة.

كورشيد لا يقصد بكلامه هذا أملاكا هي فعلا على ملك الدولة و لم يطرح على نفسه سؤال المالك الشرعي لهذه الأملاك بل مر مباشرة إلى القول بأن “هناشير” الدولة تم الوضع اليد عليها إلى جانب أملاك عمومية متنوعة” معتبرا أن من قام بذلك هم جزء من الشعب.

ما يسمّى بـ”هناشير الدولة” التي يتحدّث عنها كورشيد هي أملاك لمواطنين تونسيين قاموا بإستعادتها بعد الثورة و بعد سنوات من إغتصابها بقوّة النظام الجائر من طرف زمرة العائلة الحاكمة و قد كان أجدر بكاتب الدولة عوض الهمز و اللمز و إتهام الشعب بإستعادة أملاكه المسروقة أن يبحث عن حلول جديّة و عميقة لبعض الإشكاليات العالقة إداريّا فيما يتعلّق بهذه الأملاك لإعادة الحق لأصحابه فهل أصبح إسترجاع الشعب لأملاكه جريمة أم أن عقليّة الإستحواذ على أملا التونسيين تحت عنوان “أملاك الدولة” ما تزال متواصلة بعد الثورة؟