تحاليل سياسية - كتّاب

الثلاثاء,1 مارس, 2016
عندما يطالب أمنيون برحيل الحكومة

الشاهد_كاد اعتصام آلاف الأمنيين أمام قصر الحكومة أن يخلط الأوراق بشكل غير مسبوق في تونس ما بعد الثورة. ما فتح الباب أمام تأويلاتٍ خطيرةٍ ومخيفةٍ، تجاوزت المطالب المالية والاجتماعية للأمنيين، وجعلت بعضهم يتحدثون عن وجود أطرافٍ سياسيةٍ، قد تكون وراء هذا التصعيد، من دون تحديد دقيق وموثق لهوية هذه الأطراف.

 

المؤكد أن المعتصمين وصفوا تحركهم بـ”الثورة الأمنية”، وهو ما دفع برئاسة الحكومة إلى التنديد الشديد بـ”اقتحام حرمة مقرها.. وترديد شعارات سياسية وتهديدات أبعد ما تكون عن العمل النقابي الأمني”، و”التلفظ بعبارات نابية غير أخلاقية”. كما اعتبرت هذا التحرك بمثابة “التهديد بالعصيان”، وأنه “لا يمكن بأي حال التساهل معه، أو التغاضي عنه”. وهذا يعني أن نقابة قوات الأمن الداخلي دخلت في مواجهةٍ مباشرةٍ مع السلطة التنفيذية بشكل صارخٍ لا يخلو من التحدي. ويبدو أن عملية ليّ الذراع من الطرفين مرشحة لمزيد من التصعيد، بعد أن قرّرت نقابة الأمن الداخلي مواصلة الاحتجاج.

 

يجب الإقرار بأن أوضاع رجال الأمن في تونس لا تزال مزرية، وهو ما أقرّت به رئاسة الحكومة التي وعدت بتدارك النقص في المعدات والتجهيزات، إلى جانب الارتقاء بظروفهم الاجتماعية والمهنية. لكن الملف الأمني في تونس لا يزال يعتبر من بين الملفات الحارقة التي تثير تساؤلاتٍ محيرةٍ كثيرة.

 

كان حكم الرئيس السابق بن علي قائماً، بدرجةٍ أساسيةٍ، على توظيف الأجهزة الأمنية لصالح دعم نظامه، وهو ما مكّنه من إقامة ما كانت توصف بـ “الدولة البوليسية”. لكن، بعد الثورة انهارت تلك الدولة، وتغيرت علاقة المواطنين بالأمنيين، نتيجة انهيار حاجز الخوف.

 

عندها، انكمش رجل الأمن، وتبرأ من النظام السابق، وبدأ يدافع عن حقوقه الاجتماعية. ومن أجل ذلك، ظهرت النقابات الأمنية في تونس الفريدة من نوعها في العالم العربي. وحتى تخرج المؤسسة الأمنية من لعبة التوظيف السياسي، رفعت شعار المطالبة بـ “الأمن الجمهوري”. لكن، مع أهمية هذه التجربة وطرافتها، إلا أنها كشفت عن صعوباتٍ ومخاطر. إذ كيف يمكن تحقيق المعادلة الصعبة بين دور الأمنيين في إنجاز مهامهم، باعتبارهم مطالبين بتنفيذ تعليمات القيادة والخضوع للأوامر من دون مناقشتها، وممارسة الضغط في سبيل تحسين ظروف العمل، بما في ذلك تنظيم الوقفات الاحتجاجية والاعتصام وإضراب الجوع، وغيرها من أشكال الاحتجاج.

 

لا تزال تجربة النقابات الأمنية في حاجةٍ إلى تقييم موضوعي، لكن المؤكد أن خوض هذه التجربة كشف عن وجود تبايناتٍ في وجهات النظر بين الأمنيين أنفسهم، إلى جانب وجود اختلاف مصالح بين مختلف الاختصاصات والهياكل. أدّى هذا الأمر إلى قيام تعدديةٍ نقابيةٍ في صفوف الأمنيين، وهو ما حال دون رسم استراتيجية نقابية موحدة. وما حدث، يوم الخميس الماضي، زاد في تعميق الهوة بين هذه النقابات، حيث إن اثنتين منها وقعتا مع الحكومة على اتفاقٍ يخص الزيادة في الأجور، في حين رفضت النقابة الثالثة الإقرار بنسبة الزيادة، وأعلنت عن سلسلةٍ من التحركات الاحتجاجية، كان آخرها الاعتصام أمام قصر الحكومة. ونظراً لحجم التجاوزات الخطيرة التي تورّط فيها أمنيون، شاركوا في هذا الاحتجاج، فقد قامت إحدى النقابات المنافسة بالتنديد بهذه التجاوزات، وطالبت بمعاقبة زملائهم الذين تسببوا فيها، واتهموهم بتسييس العمل النقابي، وهو ما زاد في إرباك الحالة الأمنية العامة، وعمق الشقوق بين الأمنيين أنفسهم وداخل الأجهزة نفسها.

 

ومما زاد في خطورة هذه التحركات أنها حصلت في مرحلة شديدة التعقيد، حيث يتعرّض الأمن القومي التونسي إلى الخطر المباشر من التنظيمات الإرهابية التي يمكنها استغلال الأجواء الملتهبة في ليبيا، إلى جانب تململ الجسم الأمني، لتقوم مجدداً بتوجيه ضربات دامية للأمنيين وللمؤسسات الحيوية في البلاد.

 

عندما يطالب الأمنيون برحيل الحكومة، فإن ذلك يذكّرنا بشبح الجيش الانكشاري العثماني، وقد يفتح الباب أمام احتمال انهيار الدولة.

 

صلاح الدين الجورشي