وطني و عربي و سياسي

الثلاثاء,12 أبريل, 2016
عندما تهاجر النهضة

الشاهد _ يعسر كثيرا أن يشهد عصرنا جماعة إسلامية تقلبت بين تجارب ثرية فخاضتها بتوفيق منه وحده سبحانه خوضا ساهم في تجددها وفي حفظ عودها الأصلي. النهضة التونسية تعرضت لتلك المنقلبات وأثراها : الإعلان عن نفسها في صائفة 1981 حزبا سياسيا ديمقراطيا فكانت المغامرة الكبرى في الساحة الإسلامية الشعبية التقليدية أن تنتظم جماعة دينية في حزب سياسي. بل كانت المفارقة العظمى أن تتبنى تلك الجماعة الدينية الدعوية الديمقراطية في بيئة عربية رسمية مترددة بين الإرث العشائري السلطوي وبين النظم العسكرية. أما البيئة الدينية الشعبية فهي مترددة بين مساحات فكرية إنحطاطية ثقيلة وبين محاولات إصلاحية فردية أو شبه جماعية لا تجرؤ عقلا ـ وليس واقعا فحسب ـ على متاخمة الحقل السياسي. في المستوى الداخلي للجماعة جرى ذلك التحول تحديدا بين ديسمبر 5 ديسمبر 1980 و6 جوان 1981 أي في غضون نصف عام بالضبط. السؤال الكبير هو : أنى للكتلة الجماعية يومها ـ أي الجماعة ـ أن تحتضن فكريا ذلك التحول الكبير والمفاجئ؟ سؤال إجتماعي لم أر من تصدى له وسيظل ثلمة في وجه من يغامر بالتفسير.
المنقلب الثاني جرى يوم تحول الوجود المادي للحركة بأسره في غضون شهور معدودات بين السجون والمنافي بل بين الموت البطيء ودبابة اليسار التي يقودها المخلوع بن علي وهي تدهس الهوية الإسلامية في أبرز معاقدها دهسا. كانت تجربة السجن والمنفى على قساوتها وبطشها ضرورية للجم ما حقه اللجم ومراكمة ما حقه المراكمة وإدارة المعركة حامية الوطيس بسلاح المقاومة الصامتة الصبارة بعدما فشلت أسلحة أخرى تتاح لكل من هب ودب. السؤال الكبير هو : ما هي القيم التي حفظت للحركة وجودها بل تجددها فكريا في مناخ دولي عربدت فيه الآلة الصهيونية حتى حققت نجاح أوسلو 1993 وإنزاحت المظلة الدولية قبل ذلك في 1989 لتنتصب أمريكا وما تعنيه سياستها الخارجية في قضايانا العربية حاكما لا ينازع؟ دون إجراء المقارنة هنا بالتحديد مع حركة سياسية أخرى هي جبهة الإنقاذ الجزائرية فإن السؤال الإجتماعي يظل حائلا دون الظفر بالتفسير الصحيح.

المنقلب الثالث تختلف طبيعته عن الأوليين إذ هو منقلب فكري. إنقلبت الحركة فكريا منقلبات ظفر بها أهل الإجتماع فأستقرؤوها وإستنبطوا العلل وإستخرجوا السنن وظلت الخفافيش ترعى ما ترعاه الجعلان. إنقلبت الحركة منفعلة بقيم التجديد والإجتهاد والتحديث وكان محط الإنقلاب هو : كيف تحولت الحركة من جماعة دينية إصلاحية شبه منغلقة كما همز بذلك أحد قياداتها السابقين ( السيد الفاضل البلدي ) أخيرا على صفحة إلكترونية إسمها (الجديد) ..إلى حركة خاضت المراجعات العميقة والقاسية في بنائها التديني نفسه من مثل الموقف التقليدي من المرأة والتراث والغرب والعالمانية والديمقراطية والكسب العلمي والعمل النقابي والملكية الزراعية والعمل السياسي نفسه إلخ ..؟ هل سبق لأي كيان سياسي أن نشر مراجعاته في كتب قانونية منشورة فضلا عما ينشر يوميا تقريبا على شبكات التواصل الإجتماعي وما تثيره حلقات الحوار الفضائية؟ حركات التجديد والتحديث لا تنتهي ويوم تنتهي ينتهي أهلها دون ريب ولكن الشجاعة المعنوية التي تسلحت بها الحركة في مراجعاتها المنطلقة من 1981 إلى اليوم والتي طالت المجال الديني نفسه هي شجاعة أدنى إلى التعجل وسبق الزمان والمكان. هل سبق أن عرض حزب سياسي لوائحه المقدمة إلى مؤتمره على عشرات من المتخصصين ضمن ندوة علنية كما فعلت النهضة قبل أسابيع؟ هل يجرؤ منغلق على هذا؟

ألم يكن مؤتمر 1995 مخصصا مضمونيا للتجديد الفكري فيما يتلعق بإستراتيجية التغيير ومسالك الإصلاح في أيام عربدت فيها السطوة الإمريكية بقوة النار في البلقان المتحرر لتوه من الإحتلال الشيوعي وقوبل ذلك بإندياح عجيب للإسلام الجهادي لتقابل النار بالنار وفي تونس نفسها تدور معركة ظاهرها الهدوء وباطنها السحق والمحق لمكونات الهوية الإسلامية تجفيفا للمنابع الثقافية التي تتغذى منها الجماعة منذ صائفة 1969؟ هل هناك أبهر من تجديد تحديثي يتجه نحو إستعادة الصفة الديمقراطية لحركة صفي وجودها المادي بالكلية لأول مرة وطبول الحرب تدق ضد أول مركبات مشروعها أي الإسلام؟

لو نجح عبيد الفكر الغربي في شطب أي كسب للحركة عدا جهدها الكبير لتوفير حاضنة معتدلة بين الإسلام وبين الديمقراطية لكان ذلك كافيا لعدّها حركة تحديثية إجتهادية تجديدية.

إما الهجرة أو الموت.

الكون سابح يجري بسبب قانون الحركة الذي لا يندّ عنه الإنسان الكادح مكابدة ونصبا. للنهضة التونسية نصيبها من ذاك دون ريب وهو القانون نفسه الذي حفظ لها وجودها وفتح أمامها آفاق التجدد والتحدث. إعترفت الحركة منذ البداية بقانون الحركة فلازمت الهجرة من مواطن يغلب فيه الموت على الحياة إلى مواطن أخرى تغلب عليها الحياة. هاجرت الحركة من وطن السرية إلى وطن العلنية عام 1981 فكان ذلك تجديدا وتحديثا خضع إلى أول إستفتاء قاعدي وبذلك تشربت الحركة منذ المهد الأول لقاح الديمقراطية فكان ذلك اللقاح التطعيمي هو المسؤول على تقديمها مصلحة البلاد وهي على رأس الحكم بعد الثورة على مصلحة الحزب.

ثم هاجرت الحركة من وطن التقليد إلى وطن المراجعة على أساس عنوانه : الإتباع في الدين والإبتداع في الدنيا والسياسة من شأن الدنيا لا من شأن الدين وهنا يثور الجدل بين غلمان ما فقهوا مقاصد الدين حق الفقه ولا فقهوا تركيباته التوافقية حق الفقه ولا تمايز مستوياته التشريعية المتكاملة حق الفقه ولا فقهوا العالمانية ضمن نسيجها الفكري الثوري الغربي أنها الحل الإجتماعي الأوفق بالناس هناك فهي حمالة حرية وعدالة أما وضعها آليا إنفعاليا في مقابل الإسلام فما هو بالوضع الذكي. ثم هاجرت الحركة من وطن الحروب الثأرية الإنتقامية التي حاول فرضها المخلوع بتجييش من اليسار الخاسر من 1987 حتى 1991 إلى وطن السجون والمنافي أي إلى وطن الحروب الصامتة والمعارك التي تنحني فيها السنابل المثقلة تأمينا لقوت جوعى أن تنالها العواصف الهوجاء.

اليوم موعد الحركة مع الهجرة التاريخية الأخيرة.

الحركة مدينة في تحديثاتها إلى قوى كثيرة منها الوجود الشيوعي ومنها الوجود الإسلامي التقدمي ومنها الوجود الليبرالي فلا يتجدد كيان لا نافذة لبيته ولا عبرة بنافذة مغلقة لا يرصد منها صاحب البيت ما يحدث خارجه. اليوم هو موعد الهجرة من الجماع إلى التخصص وهي هجرة فكرية إذ يشوش على ذلك بجماع الدين وشمول الإسلام. لا ضير أن تكون تلك الهجرة المركزية في تاريخ الحركة هجرة إضطرارية لا إختيارية إذ الحقل السياسي العام بطبعه حقل الإكراهات والضرورات التي تبيح حتى المحظورات فما بالك بالمباحات. إذا كانت هذه الهجرة التاريخية العظمى لا بد منها لإنقاذ الثورة فحسب بحسبانها أمل تونس العربية المسلمة الديمقراطية فلتكن بمحاذيرها وآمالها المترددة بين إلف راسب وإشرئباب لجديد حديث. الهجرة شرط الحياة والتحديث تتهيأ بها النهضة بالتدرج لتكون حالة سياسية وإجتماعية وقيمية تجديدية تحديثية في البلاد. العالمانية التي نعالجها أحيانا معالجة الثور الهايج لقطعة قماش أحمر في حالة إحتضار في المحضن الشعبي العربي بأسره ولا ترقب إنتعاشة في ظل تمدد إسلامي حتى في عقر العواصم الغربية الكبيرة نفسها. فقه الركل بالجملة لم أجد له في الإسلام موطئ قدم أبدا. هذه الهجرة مطلوب منها شيء واحد يبعث الطمأنينة : إستخلاص الدولة بالتدريج لتحريرها من مواطن ردة كثيرة وخطيرة فإذا تحرر المجتمع وإستعاد مناعته فقد نجحت الثورة وبدأت أهدافها بالتحقق.

فقه الدولة معالجات عملية هو سفينة الفلاح لحركات التحرر أما ما عداه فرؤوس منتفخة بالجدل الفارغ وبطون كتب متورمة بأتعاب الماضي.

الهادي بريك ـ مدنين ـ تونس