عالمي دولي

الجمعة,31 يوليو, 2015
عندما استخدم علماء النفس الأمريكيون مهاراتهم من أجل التعذيب

الشاهد_في الحادية عشرة من يوم 2 يوليو ذهبت مع صديقي وزميلي ستيفين ريزنر إلى مجلس إدارة جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، كان مجلس الإدارة قد استلم لتوه تقريرًا عن التحقيق في تواطؤ الجمعية منذ سنوات عديدة مع وزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية والإدارة الأمريكية ومشاركتها ببرنامج التعذيب في عهد جورج دبليو بوش.

كانت الجمعية قد كلفت مكتب المحامي ديفيد هوفمان بشيكاغو في نوفمبر الماضي، بإجراء التحقيق ردًا على المزاعم التي ذكرها مراسل النيويورك تايمز جيمس رايزين في كتابه “الطمع والسلطة والحرب دون نهاية”، وقد تحولت أنا وريزنر إلى نقاد بارزين خلال العقد الأخير لموقف جمعية علم النفس في تلك القضايا، كما أننا كنا من الصحفيين النفسيين الأوائل المشاركين في تقرير أبريل والذي نشر في التايمز أيضًا وزعم تواطؤ الجمعية. وبفضل خبرتنا في هذا الشأن، أراد المجلس أن يطلع على توصياتنا حول كيف يتعاملون مع استنتاجات تقرير هوفمان المثيرة للقلق.

وثق التقرير في 542 صفحة مدى تعاون المسؤولين في APA مع الحكومة بما يغير من مبادئ الجمعية وآداب المهنة؛ وذلك من أجل مساعدة علماء النفس العسكريين والذين شاركوا في عمليات الاستجواب التي كانت تشهد تعذيبًا في بعض الأحيان، بما في ذلك تلك الموجودة في معتقل جونتنامو في كوبا أو سجون أبو غريب في العراق.

ووفقًا لما جاء في تقرير هوفمان دشنت الجمعية في نفس الوقت حملة علاقات عامة من أجل الزعم زورًا بأنهم كانوا يحاولون حماية حقوق الإنسان ورعاية المعتقلين، ومررت الجمعية قرارًا لمناهضة للتعذيب في نفس الوقت كما كانت تبرئ ذمتها على لسان مسؤولين حكوميين.

وفي خطوة سيئة، أعاد المسؤولون في APA ذلك مرارًا وتكرارًا بذكر معلومات حول الانتهاكات التي تمارسها حالات فردية من علماء النفس خلال الاستجوابات للمعتقلين في شكل اتهامات بانتهاك آداب المهنة ومكتب الأخلاقيات بالجمعية، ورغم أنه كانت تقدم شكاوى؛ إلا أن نادرًا ما كان يتم التحقيق بها.

عندما يُسأل الناس عن الأطباء النفسيين، فإنهم يعتقدون أنهم يكرسون حياتهم المهنية من أجل تحسين حياة البشر، ويظن البعض الآخر أن الباحثين والأساتذة يدرسون كيف يعمل العقل، لكن الأطباء النفسيين مثلهم مثل غيرهم من المهنيين الصحيين من المفترض أن يمتثلوا للقواعد الأخلاقية بأنه “لا ضرر ولا ضرار”، واستمرار الاعتقاد العام بأن الأطباء النفسيين يلتزمون بآداب المهنة أمر جلل من أجل الثقة المطلوبة من المرضى للعلاج الناجح للأمراض النفسية، ورغم ذلك فإن تحقيقات لجان الكونجرس والوكالات الحكومية وتقارير صحفية عديدة على مدى العقد الماضي أظهرت بما لا يدع مجالًا للشك أن بعض الأطباء النفسيين العسكريين في وكالة المخابرات الأمريكية استخدموا خبراتهم ومعرفتهم في التسبب بضرر آخرين وكسرهم.

كشف التقرير الذي أصدرته لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في ديسمبر الماضي عن تفاصيل تقشعر لها الأبدان حول الأساليب المستخدمة في التعذيب، ووصف التقرير كيف تمكن اثنان من علماء النفس بموجب عقد مع وكالة المخابرات المركزية باستخدام نظرية نفسية، وهي “العجز المكتسب” لتبرير معاملة المعتقلين معاملة أفضل قليلًا من الكلاب.

فقد تعرض المعتقلون إلى العزل في ظلام دامس لمدة أسابيع و لمدة أيام من الحرمان من النوم والتعذيب والتعري القسري والانتهاكات الجنسية والغرق في الماء البارد أو الساخن وتقنية الإيهام بالغرق.

وكانت نظرية الأطباء النفسيين أنه عندما يتعرض المعتقلون لفكرة أنه لا شيء أمامهم يفعلوه من أجل تخفيف البؤس الذي يعانون منه، سيصبحون أكثر تعاونًا، ويوثق تقرير مجلس الشيوخ مدى سخافة الفكرة؛ وهو ما دفع المعتقلين للتفوه بكل ما يريد سماعه المحققون سواء كان صحيحًا أم لا.

بالمثل تكررت تلك الانتهاكات مع المعتقلين بالسجن للعسكري في جوانتنامو والسجون المختلفة في العراق وأفغانستان، والتي وثقتها لجنة مجلس الشيوخ عام 2009 وساعد الأطباء النفسيون في توقيع تلك الانتهاكات في سجون المخابرات المركزية بجوانتنامو.

بالإضافة إلى دورهم كمستشارين في الاستجوابات ولعبهم أدوارًا أساسية أخرى في برامج التعذيب خلال عهد بوش، في انحراف واضح وضوح الشمس لواجباتهم المهنية والأخلاقية، كما أعطوا السلطات التي أجرت وأجازت تلك الانتهاكات بطاقة تحميهم من الدخول للسجن؛ بسبب أن مستشارين صحيين شهدوا تطبيق تقنيات التعذيب وأنهم يراقبون هذا المستوى من الأذى بما يمنع مقاضاة أي شخص مهما كات النتيجة.

وبالتالي؛ تحتاج وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع وجود الأطباء النفسيين والمهنيين الصحيين من أجل متابعة ضمانات سير سوء المعاملة للسجناء، وفي المقابل يريد علماء النفس التأكد من أن مشاركتهم في التحقيقات لن تؤدي لفرض عقوبات مهنية وكان ذلك دور APA.

لسنوات انتقد مسؤولون من داخل وخارج APA مشاركة عناصرها في مراقبة أو المشاركة في الاستجوابات المسيئة، وراحت الجمعية لاتخاذ موقف حازم بشأن تلك المسألة ولكن المنتقدين أمثال ستيفن ريزنر وأنا كنا غير مقتنعين.

تقرير هوفمان أكد أسوأ المخاوف التي أبرزها النقاد وذكروا العديد من الأمثلة التفصيلية التي توضح كيف أعاد مسؤولو APA صياغة السياسات والقرارات الخاصة بها لجعلها دون أنياب.

وعندما التقينا بمجلس الإدارة تحدينا أعضاءها لتحمل المسؤولية الشخصية لما حدث بالجمعية، والأهم من ذلك تحدينا أن يغيروا من ثقافة APA وجعل الشفافية والمساءلة والشمولية من قيمها الأساسية.

أنا وستيفن رجحنا أن المجلس لم يقدر حجم الأزمة التي لا تواجه الجمعية فقط إنما المهنة كلها، كنا نتوقع إجراءات حازمة وواضحة بعد ساعات من نشر نيويورك تايمز لتقرير هوفمان المسرب، لكن الجمعية APA ردت في بيان صحفي مخيب للآمال مقلل من أهمية النتائج الرئيسة للتقرير، وبدلًا من ذلك وضعت اللوم على عدد قليل من الأطباء غير المسؤولين والحالات الفردية، إحدى تلك الحالات تمت إقالته بينما استقال ثلاثة آخرون وبقي بعض المتواطئين في مناصب مهمة بالجمعية.

وعلى مجلس إدارة APA ومجلسها الموسع من ممثليها في الاجتماع المنتظر أول أغسطس باليقظة والانتباه لأهمية سن وتغيير السياسات الحالية، وإن لم تقم بذلك فإنها تخاطر باستقالات جماعية وخسارة كارثية في ثقة الجماهير.

فمستقبل APA ومهنة علم النفس ككل على المحك، إذا لم يكن لدى الجمهور ثقة بلجنة علماء النفس الأولى وأنها تسعى لتحسين ورفعة الإنسان؛ سيفقدهم ذلك الرغبة في مشاركة الأطباء الذين يدعون مساعدتهم أسرارهم الشخصية؛ مما سيتسبب في معاناة المجتمع ككل.