تحاليل سياسية

الإثنين,15 يونيو, 2015
عملية سيدي بوزيد الإرهابية :قراءة في الأبعاد الأمنية والسياسية!!

الشاهد_مثلت عملية سيدي بوزيد الأخيرة نقلة نوعية في طبيعة العمليات الارهابية وكذلك على مستوى التنسيق الأمني بين الوحدات المختلفة كما أن توقيتها ومكانها وطبيعة التفاعل الأمني معها مثلت حدثا فارقا ومختلف عن “التعاطي السائد والنمطي” مع العمليات الارهابية من قبل الإعلام التونسي.

عملية سيدي بوزيد : أسباب إختيار الزمان والمكان:

بعد فترة من الاختفاء العمليات الارهابية في تونس منذ عملية باردو الدامية تجددت العمليات الكبرى في حادثة بوزيد الأخيرة، اذ تم استهداف مركز الحرس بسيدي علي بن عون من خلال “كمين” تم فيه استدراج عناصر من الحرس الوطني لمكان هيأته المجموعة الارهابية من خلال تحضير قوة نارية مجهزة بأسلحة أوتوماتيكية و خبيرة بالمكان اذ من الواضح أن العملية تتنزل في التكتيك المعتمد من قبل “الجماعات الجهادية التقليدية” وهو اصابة الأهداف الطرفية من خلال قوة نارية في مكان تختاره قصد ضمان أكثر عدد من الاصابات في صفوف الأمن، وهو ما حدث في هذه العملية.

غير أن اللافت أن الاختيار الزماني جاء كرد على مقتل القيادي الجهادي مختار بالمختار الذي خطط لعملية عين أميناس في الجزائر والذي تضع الولايات المتحدة جائزة مالية لمن يوقع به نتيجة مقتل عشرات الأمريكيين على يديه في حوادث مختلفة.

وتضعه الجزائر كأخطر المطلوبين لديها لقيادته مجموعة “الموقعون بالدماء” الارهابية،و تأتي هذه العملية كذلك في اطار التنافس حول “المشروع الجهادي” في المغرب العربي بين تنظيم الدولة الاسلامية والقاعدة في المغرب العربي ، وتشير عدة مصادر استخبارتية وقوع تصدعات في جسم القاعدة في بلاد المغرب نتيجة قيام عدة عناصر وخاصة تونسية بالتوجه الي ليبيا نحو تنظيم الدولة الذي يكتسب انصارا بشكل متزايد نتيجة تراجع عمليات تنظيم القاعدة وتراجع الزخم الاعلامي.

وهو ما يرصده الخبير الأمني حسن أبو هنية اذ يقول في كتابه “داعش والقاعدة : اي مستقبل للجهاد العالمي ” تستحوذ داعش اليوم على خبرات القاعدة وعلى كبرى القيادات كما نجحت في حسن تجنيد الشباب لصالحها في ظل صعودها الاعلامي وتكوينها لدولة قائمة في العراق والشام ..لكن التوتر الحقيقي بينها اليوم هو في المراكز الجهادية الصغرى مثل لبنان والمغرب العربي حيث يتزايد هذا الانشقاق”.

وهذا العملية من خلال طريقة غياب “السيطرة المكانية” واستعمال “الضرب والنكاية ثم الهرب” وهو منهج القاعدة التقليدي انها عملية من تنظيم القاعدة لإستعادة النفوذ والمكان والزخم الاعلامي قصد افتكاك الشباب والمتطوعين الجدد من داعش.

ونلاحظ أن العملية خرجت نسبيا عن دائرة القصرين ومنطقة الشعانبي لسيدي علي بن عون وهي منطقة ينشط فيها الشيخ الخطيب الادريسي الداعية المشهور برفضه للعنف ولاستهداف رجال الأمن ورفضه دعوات التكفير وهو “اختيار متعمد” لأن العملية سيصاحبها “اعتقالات” في صفوف الشباب السلفي بالمنطقة على نطاق واسع ويخطط الارهابيين لإحراج “التيار السلفي العلمي” الذي سيضطر للعنف والجنوح للقوة حتى يحمي أنصاره وبالتالي يتم “استجلابه لمربع العنف ومواجهة السلطة” وهو ما يعطي للارهاب مزيدا من الجنود والشباب الغاضب.

وهذا ماحدث سابقا في عدة تجارب عربية، يقول الخبير الأمني محمد ابو رمان ” كانت الخلافات تمزق التيار السلفي في الاردن وخاصة في الصلت وحي الزرقاء بين دعوة للعنف ومقاربات اخرى مسالمة وتدعو للعمل الدعوي ورفض العنف والتكفير غير أن اعتقال السلطات للشباب المتدين المعتدل بشكل متعسف ودون احترام ابسط حقوق الانسان كان في صالح المتطرفين ودعاة المواجهة مع النظام وتكفيره ثم كان تنظيم التوحيد والجهاد وحرب العراق وما بعدها”.

المواجهة والتحول الاعلامي:

ان اللافت في هذه العملية هو الجانب التقليدي في عمل الارهابيين حيث استدرجوا سرية من الحرس ذات تسليح ضعيف الي قوتهم النارية والي موقع الكمين المنصوب لكن ما فاجأ الارهابيين هو سرعة تواصل الأمن وتطور عملية الاتصال ،اذ تدخلت بسرعة في المواجهة قوات من الجيش ونجحت في اصابة بعض الارهابيين وقتلهم ومنعهم من االاستيلاء على المركز مما يؤكد تحسن الاستراتيجية الأمنية وتطور لافت في الاتصال والتكامل بين الاجهزة وتنامي فكرة العمل المشترك وهذا تطور لافت في العقيدة الامنية لقوات الأمن.

ومن المثير أيضا أن نشير أن عمليات التمشيط تتم بشكل سريع لضبط عناصر محتملة تكون قد قدمت دعم لوجيستي وحتى عسكري للعناصر المهاجمة.

ونلاحظ كذلك أن الاعلام حاول التعامل مع هذه العملية بطريقة مهنية دون اعتماد التهويل والاثارة واستدرار العواطف بشكل يعطي زخما للارهاب ويعزز قيمة عملهم ويضعف الاقتصاد الوطني ويؤثر على نفسية المواطنين ويحبط معنوياتهم ويؤثر على السياحة، اذ حاول الاعلام هذه المرة التعاطي الحرفي واعتماد معايير صارمة في نقل الخبر وردود الفعل دون اضافات قد تهدد الأمن القومي.

غير أننا نشير في هذا التحليل أننا كانا سباقين في الشاهد للمتابعة و الحضور على عين المكان بالمستشفى ولمسنا احتجاجا واسعا من طرف المواطنين المتواجدين بالمستشفى حول حالة الفوضى والصياح التي قادها حزب سياسي مؤدلج مثلت استثناءا في مشهد التعاطي الرصين هذه المرة، اذ عمدت لتجييش أنصارها في المستشفى وهاجمت العنصر المصاب ودعت لرفض علاجه وأحدثت بلبلة عطلت اسعاف القوات المسلحة وخرجت عن صف الاجماع الوطني لضرورة التعامل بمسؤولية مع الارهاب،ذلك أن هذه التصرفات السياسية ذات الهدف التعبوي ستحدث لخبطة في عمل القوات الأمنية بالمكان وكذلك لدى الاطار الطبي.

كما لمسنا احتجاجا واسعا من طرف عدة جمعيات حقوقية ضد هذه التصرفات الحزبية التي شقت صفوف الموقف الوطني الموحد مما يؤجج الاوضاع ويزيد في دعم طروحات الارهابيين حول التمييز ضد التيار السلفي مما قد يدفع السلفيين بالمنطقة لردات عنيفة ستفاقم الوضع وندخل في حلقة مفرغة من رد الفعل.

ومن المعلوم لدى خبراء الأمن القومي في العالم أن الارهاب تتم محاربته بمقاربة شاملة تقوم على مراعاة حقوق الانسان وتعزيز فكرة “المراجعات” لضمان وقف العنف وهو ما ردده الخبير مايكل شوير في كتابه “السبيل لهزيمة الارهاب”.

د.سامي الشريف الشايب



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.