الرئيسية الأولى

الإثنين,2 مايو, 2016
عمر بن الخطاب في حلب

الشاهد _ لي ثلاثة أصدقاء من قوم عيسى اختاروا اسم عمر للولد البكر من أولادهم! ولآباء عمر النصارى هؤلاء طرائف مبهجة مع اسم عمر ليس هنا مسرح عرضها. كُرِّم عمر بن الخطاب من اليسار العربي، مثله أبو ذر الغفاري؛ فقد احتسبوهما رفيقين يساريين، ولم يحظ أبو بكر أو خالد بن الوليد أو أبو عبيدة بن الجراح بأي مجد عندهم.

تتوالى يوميا صور رؤساء الوزراء الفرنجة المعاصرين وهم يتجهون إلى إعمالهم بالدراجات، و الناشطون يحتفلون بتواضعهم وبساطتهم، الدراجات ليست رخيصة، ورواتبهم ليست عادية، نحن الزاحفين على بطوننا لا نفهم في حب الفرنجة للدراجة، ونحسبها تواضعا وهي رياضة، وراكبو الدراجات هؤلاء يحرصون على تولية رؤساء مرضى بالمواكب وسيارات الليموزين المصفحة علينا. سيرة عمر بن الخطاب شبه معروفة لدى الجميع، وكان مسلسل عربي قد احتفى بسيرته من جملة ما احتفى بشخصيات التاريخ لتسلية الناس في ليالي رمضان بعد تخمة الطعام .

سمّي المسلسل باسمه مجردا من نسبته أو أحد ألقابه، ولم أعرف السبب، لم يكن اسم المسلسل الفاروق مثلا؟ قرأت للشخص الذي مثل دوره ندمه على تمثيل الدور بشروطه المعروفة، و أظنه كان غاضبا من المؤثرات الصوتية. لم أعجب بالمسلسل، لم يكن عمر المسلسل عمري الذي اعرفه، غابريل غارسيا ماركيز رفض تحويل روايته مائة عام من العزلة إلى فلم حتى لا يصادر مخايل الناس، ويفرض عليهم خيال مخرج واحد…

تكتظ صفحتي يوميا بأقوام يتقربون إلى ربهم بشتم عمر ولعنه، لايزال الفاروق فاروقا. قرأت لتوي مذكرات أسيرٍ ناجٍ لدى النظام السوري الفارسي الروسي اسمه عمر الشغري، قال له المحقق: اسمك وحده جريمة وخيانة. السوريون في حقبة ما بعد الحركة التصحيحية تحاشوا اسم عمر لأولادهم، وركنوا إلى أسماء معقمة، لطيفة، رومانسية، علمانية، حتى بات اسم “وسيم” أشهر اسم في سوريا وبطلا في المناهج بعد باسم ورباب، وقرأت أطروحة جامعية كتبتها ناقدة عربية معروفة في رسالة قصيرة من نصف صفحة، أرسلها عمر إلى عماله في الأمصار المفتوحة. شخصيا أحب رسالته إلى نهر النيل، فهي قصيدة نثر لم تحتفل بها الدراسات العربية:

“من عبد الله عمر بن الخطاب إلى نيل مصر المبارك. أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وان كان الله يجريك فأسأل الله الواحد القهار أن يجريك بقدرتك”. قبل نزوحي من سوريا، طأطأ زميل من إحدى الأقليات الكريمة، وقال لي هامسا في أذني، مترددا: عندي سؤال يقضّ مضجعي؟ قلت له: كل شيء إلا مضجعك يا رفيق. قال: هل صحيح أنكم تعبدون عمر بن الخطاب؟ فتذكرت المثل القائل: الجمل لايرى حدبته، والمتنبي إذ يقول:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله… عار عليك إذا فعلت عظيم

ولم تكن لي جرأته، ثم سأل سؤالا آخر: في المظاهرات نرى ناسا من جماعتكم يرشون شيئا على المتظاهرين؟ هل هو نوع من المخدرات؟ فقلت: أنت تعترف إذا أنها ليست مظاهرات مصوّرة في قطر، وهذا تحسّن لطيف وفضيلة؟

قبلها بسنوات كان المفكر طيب التزيني قريبا جدا من النظام، ويتجول في المحافظات ليتحدث عن جرأة عمر و”خرقه” للنص القرآني، وتعطيل حدِّ السرقة وسهم المؤلفة قلوبهم، كان طيب تيزني المفكر الذي ولته الفرنجة علينا بمنصب، واحدا من أهم مائة عقل في العالم! وصدر في سوريا في عصر ما بعد الحركة التصحيحية كتاب لباحث سوري، عنوانه: عمر بن الخطاب السيرة المتوارية”، يجتهد فيه مؤلفه بحثا للبرهان على أن عمر كان مصابا بعقدة أوديب، وعقدة اللون الأسود من جدته الحبشية السوداء، ويذهب إلى أنه كان له ثأر شخصي مع خالد بن وليد سببه كسر خالد لقدمه في الطفولة، وإن لعمر صورتين: مؤمثلة لدى البعض ومؤبلسة لدى الآخرين! ويسخر من روايات يصفها باللاتاريخية مثل قصة: يا سارية الجبل، ورسالة نهر النيل. إذا استخدمنا مساطر العقل التعليلي فسنجد التاريخ الإسلامي كله لا تاريخيا من قبل العقلانيين العرب.

كان عمر بن الخطاب يتمنى أن يكون شعرة في صدر أبي بكر، أفضل الصحابة لدى المسلمين، ولم يكن فلتة، أو طفرة. وكان “المحافظون” الذين يوليهم أمير المؤمنين عمالا، بلا نقابة أو حصص في البرلمان، وقتئذ: على سبيل المثال كان عامر بن سعيد الجمحي عامله على حمص، وسنذكر الواقعة حتى لايظننّ أحد أنّ عمر طفرة في التقوى: وكان قد اتهم بأربع تهم من شعب حمص، فأرسل إليه عمر يطلبه للتحقيق وهو يدعو الله: اللهم لا تخيّب ظني في سعيد بن عامر، فجاءه، فقال له عمر: قم يا سعيد، فقام يتكلم مدافعا، فقال: يا أمير المؤمنين، والله لوددت أن أكتم هذا الأمر، فأما والحالة هذه فسأتكلم، فأمَّا قولهم: إني أُصرع، فقد حضرتُ مشهدا ما وددت أني حضرته: رأيت خبيب بن عدى وهو يُقتل في مكة، وأنا مع المشركين آنذاك، فسمعته يقول للكفار: اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، فكلما تذكرت ذاك المشهد صرعت، ووددت أنني نصرته. وأما اليوم الذي لا أخرج فيه للناس في الشهر: فأنا رجل ليس لي خادم، وزوجتي مريضة، أغسل ثيابي، وأنتظر جفافها، أو أغسل ثيابي وثياب أهلي في هذا اليوم، وأما الليل لا أخرج إليهم؛ فقد جعلت النهار لهم، والليل لربي تبارك وتعالى.

أما قولهم: لا أخرج حتى يرتفع النهار، فزوجتي مريضة، فأنا أصنع إفطاري بنفسي، فإذا أفطرتُ خرجتُ إليهم، فرفع عمر يديه إلى السماء يبكي، ويقول: الحمد لله الذي لم يخيب ظني في سعيد بن عامر. وقد طالبه عمر بالعودة إلى الإمارة فرفض.

ولعمير بن سعد قصة مشابهة، إذ ولاه عمر بن الخطاب على حمص أيضا وتسمى بالكويفة لكثرة شكايات أهلها من الولاة:

دَخَلَ عُمَيْرٌ على أميرِ المؤمنين عُمَرَ بنِ الخَطابِ، فَدُهِشَ الفاروق من حالَتِه ونحوله وقال:
ما بكَ يا عُمَيْر؟!

فقال: ما بي من شيء – يا أمير المؤمنين- فأنا صَحيح مُعافى- بحمد اللّه- أحْمِلُ معي الدنيا كُلَّها وأجُرُّها من قَرْنَيْها.

فقال: وما معك من الدنيا؟ (وهو يَظُنُّ أنَه يحْمِلُ مالا لِبـيْتِ مالِ المُسْلِمين) .

فقال: معي جِرابي وقد وضعت فيه زادي.

ومعي قصعتي آكلُ فيها وأغْسِلُ عليها رَأسي وثيابي.

ومعي قِربَة لِوُضوئي وشرابي.

ثم إنَّ الدنيا كُلَّها- يا أميرَ المؤمنين- تَبَعٌ لمتاعي هذا، وفُضلةٌ لا حاجَةَ لي ولا لأحد غيري فيها.
فقال عمر: وهل جئت ماشيا ( من حمص إلى مكة)؟!

قال: نعم يا أمير المؤمنين.

فقال: أما اُعطيتَ من الإمارة دابَّة تركَبُها؟

فقال: هم لم يعطوني، وأنا لم أطلب منهم.

فقال: وأينَ ما أتيتَ بهِ لِبَيْتِ المالِ؟

فقال: لم آتِ بِشيء .

فقال: ولم؟!

فقال: لمّا وَصَلْتُ إلى حِمْصَ؟ جَمعْتُ صلحاء أهلها، ووليتهم جمْعَ فَيْئهم، فكانوا كُلما جمعوا شيئا منه؟ استشَرْتُهم في أمره، ووضعته في مواضعه، وأنفقتُه على المُستَحِقِّين منهم.

فقال عمر لكاتبه: جَدِّد عهدا لِعُمَير على وِلايةِ حِمْص.

فقال عمير: هيهات … فإن ذلك شَيء لا أريده، ولَن أعْمَلَ لَكَ ولا لأحد بَعْدَكَ يا أميرَ المؤمنين.

لما طالب أهل بيت المقدس أن يأتيهم عمر بنفسه لتسلّم مفاتيح بيت المقدس، جاء ومولاه سالم على ناقة واحدة توفيرا لبيت مال المسلمين، يتناوبان عليها رفقا بها، ويروي التاريخ أنّ ثوب عمر كان به سبع عشرة رقعة، وكان به دسم، ويرفض العقلاني هادي العلوي الرواية ويرى أنها من تزيدات الرواة والإخباريين.. أظن أن هيفاء وهبي وأمثالها من العقلانيات العرب أطارت عقولهم هي والسيد ماركس وآدم سميث. هناك قصص مشابهة عن شكري القوتلي، وهاشم الأتاسي وعبد السلام العجيلي وهم من عامة المسلمين دينا وخاصتهم شأنا..

قال عمر قبل وفاته: لو كان سالم مولى أبي حذيفة لوليته، وكان سالم فارسي الأصل، وقاتل عمر كان فارسيا اسمه أبو لؤلؤة ومجوسيا، تحتفل به أوساط إيرانية كبطل قتل عمر وهو يصلي!

رضي الله عنه.

أحمد عمر – عربي 21