كتّاب

الأربعاء,9 مارس, 2016
عقيدة الوحدة الوطنية و الحرب على الارهاب …

12065507_10205329376262473_1473281544539723352_n

 

بقلم :الحبيب بوعجيلة

تدخل الحرب على الارهاب في بلادنا مرحلة حاسمة في سياق التحولات الاقليمية و العربية و الدولية المتميزة ببداية تشكل الأحلاف و بداية التسويات في المنطقة على قاعدة محاصرة المجاميع الارهابية و على رأسها داعش .
و برغم الاطمئنان النسبي على عافية مؤسستينا الامنية و العسكرية اللتين تُحققان بشكل مُطرد انتصارات باهرة في الاستخبار و التصدي و التفكيك آخرها انتصار بن قردان فان وضعنا السياسي و الاعلامي يتطلب ارتقاء الى درجة القدرة على الاستجابة الى التحديات التي تفرضها الحرب على الارهاب و ما تتطلبه سياسيا من وحدة و وضوح في القراءة و تقدير الموقف و ما تقتضيه من استراتيجية اعلامية مؤسسة للوحدة الوطنية و مفضية الى التوافق الحقيقي المحصن سياسيا و شعبيا لظهر قواتنا الحاملة للسلاح .

شعب ناضج و نخبة “هائجة”

بعيدا عن انشائية الحديث عن التوافقات لا تبدو عملية الشد السياسي و الردح الاعلامي التي تتلو كل عملية ارهابية مطمئنة على حصانة الجبهة الوطنية و على جدية الطبقة السياسية كما لا تبدو المقاربة السطحية المرتبكة معلوماتيا و المهووسة بالمزايدات الايديولوجية و تصفية الحسابات الحزبية مُوحية بقدرة “نخبتنا” على صياغة مواجهة علمية شاملة و موضوعية للإرهاب بما يُرشد و يدعم سياسيا و اعلاميا جيشنا و أمننا في المواجهة العسكرية .

يتأكد يوما بعد آخر و اثر كل انتصار على الارهابيين أن الشعب التونسي مُدرك بفطرته طبيعة اعدائه الحقيقيين بعيدا عن “لوثة” النخبة و قراءاتها المؤدلجة بل ان ردود الفعل التلقائية في تدخلات عموم المواطنين تؤكد قدرة شعبية تفوق أحيانا قدرة “الخبراء” في فهم الظاهرة الارهابية و عوامل نشاتها و أجندات القوى الدولية الفاعلة فيها و طبيعة الخطابات و الاجواء المُغذية لها . و هو ما جعل الساحة الشعبية التونسية حاضنة لقواتها الوطنية المسلحة طاردة رافضة للإرهاب .

اعلام صراع الديكة…

في المقابل تبدو الساحة الاعلامية و السياسية التونسية سياق “احتراب” و مماحكات مُهيئة بشكل غبي أو “مقصود” لتوفير “أجواء” التوحش و مغذية لأمزجة المواجهات “الأهلية” أو الدفع اليها من زاوية الترفيع في منسوب الاستقطابات الايديولوجية و تدمير منسوب الثقة المتبادلة بين الاطراف و احتراف الاستفزازات الثقافية المتبادلة بما يوفر مناخا ملائما للتكفير او التخوين و الاتهام بتبييض الارهاب أو استهداف الاسلام و الثوابت الثقافية و المس من مبادئ الصراع الديمقراطي و تبخيس حقوق الانسان و مهاجمة الثورة و الحرص على التحسر العلني الوقح على العهد البائد و الطعن في مؤسسات الدولة من أمن و قضاء و حكومة و برلمان وصولا الى استهداف مؤسسات المجتمع المدني و الحد الأدنى من التسوية السياسية التي حصلت بعد الحوار الوطني و انتخابات 2014 و غيرها من المواجهات التي يرعاها و يغذيها اعلام “البوز” و سياسة “الرشامة” .

“مثقفون” في لعبة السياسة ..

في الوقت نفسه لا يبدو النقاش الفكري مؤسسا لمفردات ما نحتاجه من استراتيجيات عالمة لبناء العقيدة السياسية و الاعلامية للحرب على الارهاب . اذ يدور هذا النقاش بين “الخبراء” و “المثقفين” الذين اخترقهم “فيروس السياسوي” و” الحزبوي ” ما ساهم في نشر التحاليل “المضروبة” و الأخبار المزيفة التي لا تُمكن من فهم عميق للظاهرة في سياقها المحلي و الدولي مما تسبب في مشكلات حقيقية لصانع القرار السياسي و الأمني في تونس و أربك مواقفه في اطار ما تابعناه من اخطاء ديبلوماسية و اندفاع غير مبرر الى انحياز البلاد في سياسة المحاور و ضعف في الاستقواء برؤية عميقة يوفرها مثقفون و خبراء حقيقيون تساعد تونس على الاضطلاع بدورها كاملا في الحرب الداخلية و الاقليمية و الدولية على الارهاب دون ضرائب موجعة على صعيد انسجام و وحدة نسيجها الاجتماعي و الثقافي و السياسي و استقلال قرارها الوطني و سلامة أراضيها .

من التسوية الى الوحدة الوطنية …

ان التسوية التي حصلت بين الأطراف السياسية لتنظيم الصراع على السلطة و حسن ادارة ملفات العلاقة بين القديم و الجديد قد حصنت البلاد دون شك من التداعيات الكارثية للمواجهات السياسية التي شهدتها البلاد بعد الثورة و لكن هذه التسوية وحدها لا تكفي الآن و نحن ندخل مرحلة حاسمة في الحرب على الارهاب وهو ما يتطلب الارتفاع بالتسوية الى درجة التوافق الوطني الحقيقي في الاستراتيجية الوطنية لهذه الحرب في جميع بنودها المتعلقة بمفهوم الارهاب و أجندات انتاجه محليا و دوليا و سبل مواجهته سياسيا و ثقافيا و اجتماعيا و مقتضيات الانتصار عليه .

لن يكون ذلك بمجرد عموميات انشائية ليلية مدهونة بزبدة “التكتيكات” و الحسابات الضيقة التي تذوب في أول مواجهة في حرارة البلاتوات بعد كل عملية ارهابية . ان الامر يتطلب حوارا صريحا و نقدا ذاتيا من كل الاطراف المؤثثة لمشهد الصراع السياسي منذ خمس سنوات …وهو ما نهتم به في مقال لاحق …