مقالات مختارة

الخميس,21 يناير, 2016
عقلية الانبهار

الشاهد_عندما يتوهج العقل تبدأ مسيرة الحضارة الإنسانية، وتنطلق شعلتها، وعندما يخبو بريقه ويصاب بالعلل والأمراض، ويكبل بأثقال الجهل والتعصب، ويتعلق بالأساطير والخرافات، يكون ذلك بداية للسقوط والتداعي والانهيار.

 

 

ومن هنا كان توجه الأمم التي تريد بناء حضارتها ورسم مستقبلها، بأن تضع بناء عقول أبنائها على سلم أولوياتها، فتوجه له جلّ اهتمامها وتسخر له كل إمكاناتها، فتصوغ البرامج التعليمية والتربوية القادرة على بناء هذه العقول بما يمكنها من أداء دورها في هذه الحياة وبناء رؤيتها، واسترداد شخصيتها والخروج من حالة الشلل والعجز عن الفعل المسيطرة عليها.

 

 

ومن الأمراض التي تصاب بها بعض العقول فتكون معوقًا في طريق النهضة ما يمكن أن نطلق عليه (عقلية الانبهار)، ونقصد بها الحالة التي تتجسد في بعض من ينتسبون لحزب سياسي أو جماعة دينية، فينظرون لكل قول أو فعل أو تفاعل مع حدث لهذا الحزب أو تلك الجماعة، بانبهار تام وإعجاب مدهش مع إضفاء درجة من التقديس أو التنزيه على القرارات أو التصورات، فكل فعل فتح قريب، وكل قرار حل سحري للمعضلات والمشكلات، فلا يعترف بخطأ ولا يتهمها بعيب ولا بنقص، فهم يرون أن رأي حزبهم أو جماعتهم هو الحق ودونه على الباطل، جاعلين إياه فوق النظر النقدي أو المراجعة الحقيقية فلا ينظر في مدى صواب الخطوات وسلامة السير وصحة المواقف.

 

 

ويمقتون أي لون من ألوان المراجعة والتصحيح، بل إنهم يعدون ذلك في كثير من الأحيان جريمة ومروقًا، وينعتون من يفعل ذلك بالخارج عن الالتزام الحزبي، أو المارق من البيعة. وقد يوالي ويعادي على أساس موقف الآخرين وموافقتهم أو مخالفتهم لحزبه أو جماعته.

 

 

ويصف الدكتور يوسف القرضاوي هذا الصنف من العقول في كتابه الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد قائلا: (إن المتعصب إنسان لا يرى إلا ذاته، ولا يسمع إلا قول نفسه، ولا يؤمن بأحد غيره، أو غير فرقته وجماعته التي ينتمي إليها، فمنها يبدأ ومنها ينتهي، فهو مغلق الذهن والنفس عن الغير، وكل الناس غير، ما عداه وفرقته التي منحها عقله وشعوره وولاءه، فهي التي تفكر له وتحدد له من يحب ومن يكره، وعمن يرضى وعمن يسخط دون أن يعطي نفسه حق التأمل في هذه المقولات أو الامتحان لها أو مناقشتها فهذا كفر). وقد تستفحل هذه الحالة فيصل هذا الانبهار بالمرء إلى حد العَمَى عن إدراك الحق، فتصير معوقا ذاتيا يحجب عن الفرد الرؤية الواضحة للأمور، وتمنعه من النظر في الأحداث، وتعوقه عن المشاركة الفعالة في بناء أمته ورقي مجتمعه.

 

 

وآفة هذه الحالة أنها تنتج جسمًا خاملا وعقلًا تنفيذيًا معطلا عن الإنتاج والإبداع، عقلا قانعًا بما لديه الآن أو بما تحصَّلَ عليه من مكتسبات حتى ولو كانت وهمية أو دون المتوقع والمأمول، ولا يطمع لما هو أعلى من ذلك ولا يرغب في تطوير آلياته ووسائله،عقلا فاترًا قابلًا للاستسلام الخاضع لكل مقولة أو رأي دون تمحيص أو مراجعة، يقف عندها مبرمجًا لا يتقدم ولا يتأخر ولا يضيف، عقلا لا يعترف بالخطأ أو القصور أيًّا كان مصدره ومنشؤه، بل يدافع عنه ويلبسه ثوب الصواب فلا يسعى للتصحيح والتحسين، عقلا مفرقا لا يتحمس لمساندة جهود وأدوار الآخرين من الأحزاب والجماعات التي تحمل هم هذا الوطن الذي نتشارك فيه جميعًا.

 

 

إن ما نراه الآن من صحوة الشعوب وبشائر النهضة لم يزل في حاجة إلى كثير من الجهد وكثير من العمل، وإلى عدد من كبير من الأفكار والوسائل والرؤى التي يمكن بواسطتها إعادة صياغة تشكيل وبناء عقول أبناء هذه الأمة، ليكون كل فرد من أبنائها قادرًا على المشاركة برأيه وفكره في كل قضية صغرت أم كبرت، دقت أم عظمت، قادرًا على المشاركة الفعالة في إدارة دفة المجتمع، ومُساهِمًا في بناء حضارة ورسم مستقبل أمته. فإن النهضة الحقة لا تتحقق بعقول عليلة، والنصر لا يتحقق بعقول عقيمة.

 

 

ماجد رمضان



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.