مقالات مختارة

الأحد,21 يونيو, 2015
عابدون أم عابثون؟

الشاهد_أخشى على رمضان هذا العام من طوفان المسلسلات، التي إذا تابعها المصريون على مدى اليوم، فلن يجدوا وقتا لأداء الصلوات الخمس، ولا أقول التراويح. بل قد لا يجدون وقتا يتناولون فيه طعام الإفطار والسحور، ولن يذهب أحد إلى عمله، وإذا ذهب فبهدف النوم في مكتبه، لتعويض السهر على المسلسلات الذي يستمر حتى الصباح الباكر.

 

ولا مبالغة في هذا الكلام، لأننا طوال الأسبوع الماضي على الأقل، غرقنا في بحر الإعلانات التي ظلت تزف إلينا أخبار المسلسلات الحصرية وغير الحصرية، في الصحف اليومية وعلى شاشات التلفزيون، بل لاحقتنا ملصقاتها في الشوارع، حتى أصبحت مسلسلات رمضان هي «القضية المركزية» التي شغلت مختلف وسائل الإعلام وشغلت معها الناس بطبيعة الحال.

 

حين سألت عن تفسير لهذه اللوثة غير المألوفة، فقيل لي إنها المنافسة القوية بين القنوات التي تكاثرت، فالتلفزيون المصري وحده له عشرون قناة، وهناك عشر محطات تلفزيونية أخرى مستقلة نسبيا، ولا تتبع اتحاد الإذاعة والتلفزيون. ومجموعة المسلسلات التي ستُعرض على شاشات التلفزيونات المصرية في حدود 30 مسلسلا. قيل لي أيضا إن تراجع الإقبال على المسلسلات المصرية في المحطات العربية، دفع المنتجين إلى التركيز على السوق المحلية، وبسبب الكساد النسبي في سوق الإعلانات، فقد خفضت الصحف ووكالات الإعلان من أسعارها، ما شجع شركات الإنتاج على التوسع في نشر الإعلانات، التي قد يكون بعضها سدادا لديون ومستحقات سابقة. وبسبب التنافس القوي أصبح الفائز الأول هو الممثلين والممثلات، الذين ارتفعت أسعارهم، حتى وصل أجر نجوم الصف الأول في المسلسلات إلى ما يتراوح بين 5 و7 ملايين جنيه، علما بأن متوسط ميزانية المسلسل أصبح في حدود 20 مليون جنيه. وقرأت أن مسلسلا واحدا وصلت ميزانيته إلى 35 مليون جنيه، وأن تصوير اليوم الواحد تكلف 35 ألف جنيه، واقتضى الإخراج بناء «فيللا» في الصحراء تكلفت مليونين من الجنيهات.

 

لم يكن ضجيج المسلسلات هو شاغلنا الوحيد، لأننا تابعنا على هامشها اللغط الذي أثير حول مآل «الخيام الرمضانية» ومصيرها في ظل التحذير من انتشار الإنفلونزا ومخاطرها، وحول أماكن إقامتها واتجاه أصحابها للنزوح إلى المدن الساحلية لإحياء لياليها «المباركة» بعدما أدركوا أن شهر رمضان سيظل في قلب الصيف خلال السنوات الخمس المقبلة.

 

إذا احتفظت بهذه الصورة في جانب، ووضعت في مقابلها صورة الألوف الذين يسعون لأداء عمرة رمضان ويملأون المطارات والموانئ، فستدرك أن ثمة ازدواجية حادة في المجتمع المصري، بين شريحة تملأ الفضاء ضجيجا وتلوح بمختلف صور الإغراء وتضغط بكل ما تملك من عناصر الجذب والإبهار، لتحويل رمضان إلى شهر للسهر والعبث والفرفشة، ومن ثم تفريغه من مضمونه الروحي، بحيث يغدو نسخة أخرى من «الكريسماس» في العالم الغربي، وهو المناسبة التي بدأت موصولة بذكرى ميلاد السيد المسيح، وانتهت منفصلة عن جذرها وغارقة في كل ما هو دنيوي، وشريحة أخرى من المصريين مازالت تذكر أن رمضان شهر للصوم والعبادة والتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، إذكاء للروح وتطهيرا للنفس.

صحيح أن هؤلاء الأخيرين لا ينبغي التقليل من شأنهم، لأنهم الكتلة الأكبر التي لا يسمع لها صوت ولا ترى لها صور، لكنني أخشى على الأجيال الجديدة غير المحصنة التي غدت الثقافة التلفزيونية مصدرا أساسيا لتشكيل وعيها. إذ لا أستبعد أن ينجح الإبهار التلفزيوني بمضي الوقت في محو صورة رمضان الرباني من أذهانهم، والإبقاء على رمضان التلفزيوني الذي يرتبط في الأذهان باللهو والعبث، وغير ذلك من صور المجون التي تحفل بها الخيام، وما أدراك ما الخيام!

 

الذي لا يقل سوءا عن ذلك أن السياسة الإعلامية الرسمية تبدو منحازة إلى العابثين والماجنين، وليس العابدين في شهر رمضان، على الأقل من حيث إن قنوات التلفزيون الذي تملكه الدولة هي التي تعرض أكبر عدد من المسلسلات والبرامج التي لا ترجو للشهر الفضيل وقارا.

 

لقد حذرت في وقت سابق من علمنة الحج، من خلال نزع ما هو روحي فيه وتحوله إلى طقوس وعادات فلكلورية وموسم للتسوق، وهذا الذي يحدث الآن يستدرج شهر رمضان إلى العلمنة، حين يقبض روحه فيجعله اغترافا من الدنيا وليس إقبالا على الله.

ولأن الذين ينسون الله ينساهم الله، فأخشى أن نكون ماضين حثيثا إلى طريق الندامة.

فهمي هويدي