مقالات مختارة

الثلاثاء,12 يناير, 2016
ظاهرة الانتحار.. كيف عالجها القرآن ؟

الشاهد_لم أكن أتصور أن عدد حالات الانتحار في العالم يصل إلى أكثر من 800 ألف حالة وذلك كل عام!! وأمام هذا العدد الضخم كان لا بدّ من إجراء العديد من الدراسات. وفي هذا البحث نرى كيف عالج القرآن هذه الظاهرة قبل أن يعالجها العلم الحديث. إنها بحق ظاهرة تستدعي الوقوف طويلاً والتفكّر في أسبابها ومنشئها، بل وكيفية علاجها. وفي مقالتنا هذه سوف نرى الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الانتحار، هذه الأسباب هي نتيجة أبحاث كلّفت ملايين الدولارات، والهدف منها إيجاد علاج ناجع للانتحار، وعلى الرغم من الأموال الطائلة التي يتم إنفاقها كل عام لعلاج هذه الظاهرة إلا أن إعداد المنتحرين كل عام لا تتغير بل تزداد أحياناً. وسوف نتساءل أيضاً: هل غفل كتاب الله تعالى وهو الكتاب الذي أنزله الله تفصيلاً لكل شيء، هل غفل عن ذكر هذه الظاهرة وعن ذكر علاج لها؟ بل سوف نقارن العلاج العلمي بالعلاج القرآني لنرى التطابق المذهل، بل لنرى أن القرآن يتفوق على العلماء وأبحاثهم العلمية.

 

 

حقائق حول الانتحار

– حسب إحصاءات الأمم المتحدة فإنه في أية لحظة ننظر إلى سكان العالم نجد أن هنالك 450 مليون شخص يعانون من اضطرابات نفسية وعصبية. إن أكثر من 90 % من حالات الانتحار يرتبط سبب انتحارهم باضطرابات نفسية وتحديداً الكآبة، أي فقدان الأمل الذي كان موجوداً لديهم.
– يعدّ الانتحار السبب الثامن لحالات الموت في الولايات المتحدة الأمريكية.
– الرجال أكثر عرضة للانتحار من النساء بأربعة أضعاف تقريباً. ولكن محاولات الانتحار عند النساء أكثر.
– في 60% من حالات الانتحار يتم استخدام الأسلحة النارية مثل المسدس.
– تشير الدراسات إلى أن قابلية الانتحار لدى الشخص تكبر مع تقدم سنّه، ولذلك نرى بأن هنالك أعداداً معتبرة بين الذين يموتون منتحرين وأعمارهم تتجاوز 65 عاماً. وهؤلاء معظمهم من الرجال.

 

 

عوامل تؤدي للانتحار

– إن عنصر الكآبة هو الأوفر حظاً في السيطرة على مشاعر من لديه قابلية للانتحار. كذلك مشاعر اليأس لها دور كبير في التمهيد للانتحار.
– إن تكرار محاولات الانتحار أو التفكير في الانتحار هي أسباب قوية لتنفيذ هذا الانتحار فيما بعد.
– إن الإدمان على الكحول والمخدرات قد يكون أحد الأسباب المؤدية للانتحار.
– المعتقد الديني حول الانتحار له دور أساسي في قبول فكرة الانتحار، فعند جهل الإنسان بأن الانتحار محرّم قد يستسهل هذه العملية. وقد يعتبر البعض أن الانتحار هو قرار نبيل للدفاع عن أخطاء أو خسارات كبيرة لا يتحملها العقل.
– فقدان شيء غالٍ أو خسارة كبيرة، وهذا يؤدي لنوع من رد الفعل قد ينتهي بالانتحار.
– عوامل نفسية مثل العزلة أو العدوانية قد تؤدي إلى التفكير بالانتحار.

 

 

عوامل الوقاية حسب معطيات العلم الحديث

يؤكد العلماء الذين درسوا آلاف الحالات لأشخاص قد ماتوا منتحرين على ضرورة العناية بمن لديهم اضطرابات نفسية قد تؤدي بهم إلى الانتحار وضرورة رعايتهم من الناحية الطبية وتوفير الحالة النفسية السليمة لهم. وبالطبع هؤلاء العلماء لا يعالجون المرض إلا بعد وقوعه، فالطبيب ينتظر ظهور المرض ثم يقوم بدراسته وتحليله وإيجاد العلاج الملائم له. وعلى الرغم من الوسائل المتطورة التي تبذل في سبيل معالجة هذا الداء فإن نسبة الانتحار زادت 60 بالمئة خلال النصف القرن الماضي!. لقد كان الاعتقاد السائد قديماً أن أشخاصاً محددين فقط لديهم ميول نحو الانتحار، ولكن أثبتت الحقائق العلمية أن كل إنسان لديه إمكانية الإقدام على الانتحار فيما لو توفرت الظروف المناسبة. كما كان الاعتقاد السائد أن الحديث مع الشخص الذي ينوي الانتحار حول انتحاره سيشجعه على الانتحار أكثر، ولكن الدراسات أظهرت العكس، أي أن الحديث عن عواقب الانتحار ونتائجه الخطيرة وآلامه يمكن أن تمنع عملية الانتحار.

 

 

والسؤال: ماذا عن كتاب الله تعالى؟

ولذلك نجد أن القرآن العظيم لم يهمل هذه الظاهرة، فقد أعطى أهمية كبرى حول هذا الأمر وعلاجه فتحدث بكل بساطة ووضوح عن هذا الأمر، بل أمرنا أن نحافظ على أنفسنا ولا نقتلها فقال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: 29]. إنه أمر إلهي يجب ألا نخالفه. ولكن هل يكفي هذا الأمر لعلاج هذه الظاهرة الخطيرة؟ لا، لأن الدراسات الحديثة تؤكد على ضرورة بث الأمل لدى أولئك اليائسين المقدمين على الانتحار، وضرورة معاملتهم معاملة رحيمة. ولذلك نرى مئات المواقع والمراكز قد خصصت لعلاج ومواساة من لديه ميل نحو الانتحار أو يحاول ذلك. ولذلك فقد أتبع الله تعالى أمره هذا بخبر سار لكل مؤمن، يقول تعالى (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29]، إنه نداء مفعم بالرحمة والتفاؤل والأمل. ولكن لماذا هذا النداء؟ إذا علمنا بأن معظم حالات الانتحار سببها فقدان الأمل من كل شيء عندها ندرك أهمية الحديث عن الرحمة في هذا الموضع بالذات. ولكن هل يكفي الحديث عن الرحمة والأمل؟ لا، لأن بعض الناس لا يستجيبون لنداء الرحمة، ولا بدّ من تخويفهم من عواقب الانتحار. ويؤكد العلماء في أبحاثهم عن منع الانتحار أنه لا بدّ من تعريف الأشخاص ذوي الميول الانتحارية إلى خطورة عملهم وعواقبه وأنه عمل مؤلم وينتهي بعواقب مأساوية. وهذه الطريقة ذات فعالية كبيرة في منعهم من الانتحار. وهذا ما فعله القرآن، يقول تعالى في الآية التالية مباشرة: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) [النساء: 30]. وتأمل معي هذا العقاب الإلهي: (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا) إنها بحق نتيجة مرعبة لكل من يحاول أن يقتل نفسه. من هنا ندرك أن القرآن العظيم لم يغفل عن هذه الظاهرة بل عالجها العلاج الأمثل. ولذلك نجد أن أخفض نسبة للانتحار هي في العالم الإسلامي!!! وذلك بسبب تعاليم القرآن الكريم. بينما يعاني الغرب من عدم وجود تعاليم تمنعه من الإقدام على الانتحار فتجد نسبة الانتحار عالية لديهم.

 

 

بين الأسطورة والعلم والقرآن

عندما نزل القرآن العظيم كانت هنالك مجموعة من المعتقدات عند الشعوب، ومن هذه المعتقدات أنه لا ينبغي الحديث عن الانتحار لأن ذلك سيشجع على الانتحار ولو كان القرآن كلام محمد صلى الله عليه وسلم وأنه قد جمعه من الأساطير السائدة في عصره كما يدعي بعضهم، إذن كان الأجدر به ألا يتحدث عن الانتحار! استجابة للأسطورة التي تمنع الحديث عن هذه الظاهرة. ولو كان القرآن كلام بشر كما يدّعون إذن كيف علم بأن العلاج الفعال للانتحار هو إعطاء جرعة من الرحمة والأمل للشخص وإعطائه بنفس الوقت جرعة من الخوف من عواقب هذه العملية؟ كيف علم هذا البشر بعلاج الانتحار قبل أن يكشفه العلماء بأربعة عشر قرناً؟؟ إن وجود هذه الحقائق العلمية دليل صادق لكل من لديه شكّ بأن القرآن كتاب صادر من عند الله القائل: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفرقان: 6]. لنقرأ النص الإلهي كاملاً ونتأمل ما فيه من خطاب مليئ بالرحمة، يقول تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) [النساء: 26-31]. ولا نملك في نهاية هذا البحث إلا أن ندعو بدعاء النبي الكريم والذي كان أكثر دعائه: “اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك”.

 

عبد الدايم الكحيل ـــ موقع الكحيل للإعجاز العلمي