قضايا وحوادث

الأحد,18 سبتمبر, 2016
ظاهرة الإنتحار في تونس…أرقام مفزعة و القيروان الأعلى نسبة

لا شيء يضاهي “الحياة ” قيمة .. لكن أن يصل الحال بالمرء إلى اللجوء لوضع حدِّ لها ، هو مدعاة لوضع نقاط استفهام بالبند العريض حول الظاهرة ككل في تونس.

كنظرة شاملة على الأوضاع في تونس، لا يخفى على أحد ما تعاني منه جلّ المناطق ، خاصة منها الجهات الداخلية و المفقرة ، من سياسة تهميش و إهمال – لا ترقى عبارات إلى وصف مدى استفحالها – معاناة ولّدت لدى الشباب التونسي حالة من اليأس والإحباط مع انتشار البطالة وارتفاع درجات الفقر المتقع إلى أرقام غير مسبوقة في ظل تفاقم ترديات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة .

و هنا يبلغ القيء الحنجرة بشاب غضّ في أوج العمر ، الشاب المهمش ، ابن الأحواز و الأرياف و المناطق الداخلية ، تتقاذفه رياح البطالة و الحاجة ، و تصدّه أبواب العيشة الرغدة صدّا ، ليجد نفسه فريسة سهلة بين أنياب الجريمة أو اللجوء إلى الإنتحار لوضع حدّ للمآسي التي حالت بينه و بين العيش الكريم !

اليوم ، ظاهرة الانتحار تطورت بدرجة مهولة لتبلغ أرقامًا لا يصدّقها عقل ، فلا يمر يوم في تونس إلا وتطالعنا الصحف والإذاعات بانتحار شاب أو محاولة آخر، والأسباب دائمًا ما تدور حول نفس الفلك، فإما من ضاق ذرعًا بالبطالة أو من أوصله الفقر إلى اليأس من الحياة أو من تعرض إلى الظلم و استنفذ ظاقت استيعابه.

و لو محصّنا في الظاهرة من الناحية الإجتماعية ، أي من جانب تناول علم الإجتماع لها ، فإن الإنتحار هو ظاهرة إجتماعية و تفسّر بما هو إجتماعي بحت ، بناء على ما يعانيه الشباب التونسي من فقر وبطالة وتهميش وما ينجرّ عنه من مستقبل مجهول و أفق ضبابية ..

و ربما تتعدد تفسيرات الأسباب لكن المعلوم أن النتيجة واحدة وهي ارتفاع حالات الانتحار في تونس أمام عجز الدولة عن إيجاد الحلول وإيقاف هذا النزيف الذي صار يهدد كيان المجتمع التونسي، خصوصًا أن هذه الظاهرة لم تستثن أي فئة ولا أي جهة رغم انتشارها في بعض الجهات ولدى بعض الفئات بصورة أكثر حدة .

و وفق الإحصائيات التي نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، فإن حالات الانتحار التي تم تسجيلها رسميًا بتونس في العام 2015، بلغت 549 حالة، مقابل 203 حالة سنة 2014، أي بزيادة نسبتها 170% و هو مايضعنا أمام معضلة مرعبة بناء على هذا الإرتفاع غير المسبوق ، مع الإشارة إلى أن عدد المنتحرين الأطفال دون سن الخامسة عشر بلغ عددهم 54 حالة في السنة الماضية ، و هو ما يحيلنا إلى التساؤل حول دوافع انتحار طفل مازال لم يخطُ بعد خطواته الأولى في سلم الحياة .

و هنا ، يدخل عامل التموقع الجغرافي في المعادلة ، فبالنظر إلى المناطق التي تشهد ارتفاعًا في معدل الإنتحار ، يتبين أن أكثر الولايات التونسية التي ترتفع فيها معدلات الانتحار هي ولاية القيروان التي ظلت لعقود طويلة تعاني من التهميش وغياب التنمية رغم أهميتها التاريخية والحضارية في تونس، فالقيروان تستأثر لوحدها بنسبة 16,2 % من حالات الانتحار في تونس بـ 89 حالة انتحار في 2015 .. وهو ما يكشف ما يعانيه مواطنو ولاية القيروان من معاناة جعلت الانتحار بابا يقصدونه ، في ظل غياب التأطير والحوار والحلول، وخصوصًا مع انتشار معدلات الجريمة والإدمان في هذه الولاية.

و ليست القيروان إلا عضو من جسدٍ كثرت أنّاته و ندُر ترياقه ! فبالنظر إلى مبادرات الإصلاح التي من شأنها أن تحد من هذه الظاهرة ، تبدو الدولة عاجزة عن إيقاف نزيف المنتحرين في تونس، فرغم تعاقب الحكومات المتتالية ، لم يقع تناول هذا الموضوع بصفة ترتقي إلى درجة خطورته، فحتى السياسيون قلّ وإن طرحوا هذه الأرقام و اقترحوا حلولا جدية لهذه الظاهرة التي أصبحت أشبه بالمستعصية، كذلك الدولة كثيرًا ما تلكأت في مواجهة القضية بعيدًا عن الحلول الفردية التي لا تجدي نفعًا، فأغلب حالات الانتحار التي لقيت صدى في تونس ونتجت عنها احتجاجات متعاطفة مع من قاموا بها ومحذرة من جنوح غيرهم من القيام بنفس الحل ، قوبلت بمساعدة عائلات المنتحرين ماديًا دون إيجاد حلول جذرية ، فيما يتم تجاهل احتجاجات اخرى أو مواجهتها بعصا البوليس مثلما حدث في ولاية قفصة ، و هي تحتل المرتبة الثالثة وطنيًا في عدد حالات الانتحار ، عندما واجهت قوى الأمن الاحتجاجات المتعاطفة مع أحد الشبان الذين حاولوا الانتحار إحتجاجا على الوضع المزري بالجهة من بطالة و حاجة.

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.