كتّاب

الخميس,9 يونيو, 2016
ضبط محددات الاتجاه.. حتى لا نفقد البوصلة

محمد الحمروني

مرّة أخرى نجد انفسنا بحاجة أكيدة إلى إعادة ترتيب الأولويّات، وإعادة ضبط محدّدات الاتجاه، حتى لا نفقد البوصلة، وحتى لا نتيه أو نغرق في التفاصيل، وهو الهدف الذي تشتغل عليه العديد من القوى التي ناصبت – ولا تزال – ثورتنا العداء.

علينا أن ننتبه إلى ان ما يجري اليوم، من برامج التفاهة والسقوط القيمي والأخلاقي، إلى محاولات إشغالنا برموز الماضي الذين قال فيهم الشّعب كلمته، وغيرها من القضايا، التي لا نرى لها من هدف غير إلهائنا عن القضايا الجوهريّة التي يجب أن تشغل بالنا اليوم وهي كيفيّة إنجاح عمليّة انتقالنا الديمقراطي، واستكمال تجربتنا التي يتآمر الشرق والغرب من أجل إفشالها.

فالذين اشتغلوا في الماضي على شيطنة الثورة، وتمجيد العهد البائد، والذين لا يزالون يحلمون بعودة المخلوع، سوف لن يتوقفوا عن محاولاتهم، إحياء الأموات، والنفخ في الجثث، ولن يتوقّفوا على السير ضدّ مسار التاريخ.

جزء كبير من اليسار الذي تيتّم بعد رحيل المخلوع، وجزء من منظومة الفساد والاستبداد، ستظل تحلم بإعادة وليّ نعمتها، وهي لا تنفك تبذل الجهد في سبيل ذلك، فتدفع ببعض الحمقى والمغفّلين ليمجّدوا المخلوع، وتدفع الملايين من الدينارات في انتاج برامج هي في الأخير محاولات بائسة لتلميعه.

نفس الأساليب ونفس الأسماء ونفس التكتيكات لم تتغيّر منذ اعتصام “الرّوز بالفاكهة” وما كان قبله وما جاء بعده. ولن يتخلّى هؤلاء عن حلمهم في إعادة انتاج المنظومة السابقة مستعملين في سبيل ذلك كلّ الأساليب مهمّا كانت حقيرة. بما في ذلك محاولات التهويل وخلق الفزّاعات والادّعاء بأن بلادنا على شفى الانهيار وأن الاقتصاد عجز أو يكاد وأنّ الخزينة أفلست والدينار التونسي لم يعد يساوي شيئا أمام اليورو والدولار.

نفس الأساليب استعملت ذات يوم عندما ضخّوا أموالا كبيرة وقاموا بعمليّات شراء واسعة للعملات الأجنبيّة في يوم واحد وبطريقة منظّمة ومتزامنة بهدف دفع الدينار التونسي للانهيار.

العودة اليوم للعزف على نفس النغمات، وبطريقة منظمة وممنهجة، تهدف إلى الإيحاء بأن البلاد تسير نحو الهاوية، وأنّه لا بدّ من الإنقاذ.

نفس الأساليب ونفس التكتيكات التي استعملت لإفشال حكومتا الترويكا، وثبت اليوم، وبالأرقام والنِسب، أن أداء تينك الحكومتين، كان الأفضل ضمن حكومات ما بعد الثورة.

الوضع صعب ما في ذلك شكّ، واقتصادنا يمرّ بصعوبات كبيرة، هذا كذلك لا يختلف عليه اثنان، والبحث عن التوازنات الماليّة للدولة أمر بات أكثر من حيوي هذا أيضا حوله اتفاق واسع ولا خلاف عليه، يبقى السؤال عن الحلّ؟ وعن المسؤولين عن هذه الوضعيّة؟

هل فعلا تقع المسؤولية على عاتق الحكومة وخيارتها التي كانت فاشلة؟ ألا تتحمّل الأطراف التي اجتمعت في مقرّ الحزب الجمهوري يوم اول أمس المسؤولية عن الوضع الذي تعيشه البلاد؟ أليست هي من شجّع على قطع الطرقات وإيقاف الانتاج؟ أليست هي التي دافعت عن المطلبية المجحفة وعن الزيادات الخرافية في الأجور دون أن يترافق ذلك مع زيادة في الانتاج؟ أليست هي التي شجّعت على ثقافة قطع الطرقات ومنع الانتاج حتى توقّف تصدير الفسفاط أو يكاد؟

الوضع صعب، ولكننا أثبتنا خلال 5 سنوات، أننا قادرون في كل مرّة على الخروج من الأزمات التي تعترضنا وإيجاد الحلول المناسبة، وهذه المرّة سنجد أيضا الحلول مثلما فعلنا في السابق. أمّا الذين يتباكون على الوضع الاقتصادي عليهم أن يقوموا بجردة حساب مع أنفسهم ليقفوا على حجم جرائمهم بحقّ هذه البلاد، وحجم استهتارهم بمصالح شعبنا وبلدنا، وعليهم أن يلتفتوا وراءهم ليتأمّلوا آثار جرائمهم.

فالأزمة في جوهرها ليست اقتصادية، وإنّما هي سياسيّة بامتياز، وهي نفس الأزمة التي عاشتها بلادنا خلال حكم الترويكا، وهي تعود بالأساس إلى رفض جزء من النخب السياسية في بلادنا لنتائج الانتخابات واعتمادهم على أساليب غير ديمقراطية لإفشال خصومهم. وذلك عبر تنفيذ مئات بل آلاف الاضرابات، وإيقاف انتاج الفسفاط الذي يعود على بلادنا بآلاف المليارات وطرد الاستثمارات الأجنبيّة. نفس المخططات ونفس البرامج، تعاد اليوم من قبل مجموعة من الأحزاب هي في الحقيقة لا تلتقي على شيء إلّا على خسارتها المدوّية في الانتخابات الأخيرة.

الأزمة ستمرّ، وسينجح العقل السياسي الفذ الذي انقذ تونس في السابق، في انقاذها مرة اخرى، وعلى أبناء شعبنا أن يكونوا في الموعد مرّة أخرى ليسفّهوا أحلام الذين اشتغلوا ولا يزالون على الإرباك والفوضى، وليعطوا من جديد درسا آخر في الوطنية لهذه النخب التي احترفت الزيف والكذب والاستهتار بمصالح بلادنا العليّا.

ولا بد من الانتباه، لأن أقصى ما يريده البعض هو ارباك صفوفنا، وجربنا الى قضايا هامشية، ننغمس بموجبها في الرد على بعض المعتوهين الذين يلقى بهم إلى الساحة السياسية أو الإعلامية بهدف الالهاء والاشغال فقط لا غير.. اهدافنا يجب ان تكون واضحة ومحددة، ولا يجب ان نسمح لأي جهة بان تدفعنا لكي نحيد عنها..



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.