وطني و عربي و سياسي

الأحد,16 أغسطس, 2015
صيف هندي بتوقيع بوتفليقة

الشاهد_العودة السياسية الكبرى هذا العام تأتي من الجزائر، فعلى الرغم من الكبر والمرض والصمت وملازمة المستشفيات الباريسية أو مقرّات الرئاسة الجزائرية منذ أكثر من عامين دون التواصل مع شعبه الّذي يراه فقط بانتظام على شاشة التلفزيون بعد تصويره عن بعد دون أن يُسمع له صوت عند استقباله للشخصيات الأجنبية، لا يتوقّف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة -أو من يتصرّف نيابة عنه- منذ عامين عن تسجيل نقاط ضدّ خصومه آخرها “قضية زرالدة”، اسم المنتجع الّذي يضمّ الفيلا الّتي يقيم فيها الرئيس.

يوم 16 يوليو، انتشر مئات الجنود في مكان قريب: هل كانت عملية اعتيادية لوحدة المناورة أو محاولة انقلاب أو ذريعة للتطهير؟ لن نعرف ذلك ولكن بعد أسبوع، أتت العقوبات: أُقيل رئيس الحماية والأمن الرئاسي لإهماله بالإضافة إلى مدير الأمن الداخلي -الجهاز الأمني الرئيسي في البلاد- بعد أن عيّن في المنصب في عام 2013. وأخيرًا، حرمت دائرة المخابرات والأمن بقيادة الجنرال محمد مدين المعروف باسم “توفيق” من جهازه النشط الّذي حافظ على الرأس وخسر الرجلين. تلقّى هذا الرجل العجوز -والمريض أيضًا- والّذي يجسّد بالنسبة للرأي العام قطب السلطة الآخر في مواجهة الرئاسة والّذي لم يتوقّف منذ عامين عن تغذية استيائه في صمت العديد من الضربات.

تجنّب دقيق للخضوع إلى الوصاية العسكرية

كان ميزان القوى مغايرًا لما هو عليه الآن تمامًا قبل 6 سنوات في خريف 2009، حيث خضع بوتفليقة الّذي أعيد انتخابه في أبريل لولاية ثالثة إلى مراقبة الجنرالات فأصبحت الصحافة -المسيطر عليها عادة- حقلًا لنشر فضيحتين للدولة تتعلّق الأولى بـ سوناطراك، الشركة العامّة للنفط والثانية بالطريق السريعة شرق – غرب الّتي تعبر البلاد، إذ بنتها شركات آسيوية في وقت قياسي بتكلفة ضخمة تتجاوز الـ 11 مليار دولار في حين لم تتمّ الإشارة إلى تكاليف المشاريع الضخمة خلال الولاية الرئاسية الثانية (2004 – 2009)، كما تعرّفت الشرطة على العديد من عمليّات الرشوة وألقت القبض على كبار المسؤولين باسم محاربة الفساد. ثمّ تلتها فترة مربكة شهدت قتل رئيس جهاز الأمن الوطني في ظروف غامضة في مكتبه ومن ثمّ رحيل حكومة المخلصين للرئيس، -وزير الداخلية يزيد زرهوني ووزير الطاقة شكيب خليل- في مايو 2014.

توجّه بوتفليقة إذن إلى الخارج للحصول على دعم، ولكن بلا جدوى ففي يناير رفض نيكولا ساركوزي دعوته إلى باريس، وتجنّبت هيلاري كلينتون بعناية زيارة الجزائر على الرغم من الـ 422097 دولار الّتي حوّلتهم الجزائر إلى مؤسسة زوجها يوم 12 فبراير 2010. وفي نهاية المطاف بعد اليأس من تلقّي دعوة، توجّه بوتفليقة إلى مدينة نيس الفرنسية يوم 31 مايو لحضور قمّة الفرنكوفونية ليكون القيادي العربي الوحيد الحاضر إلى جانب نظيره الموريتاني الباحث عن عفو عن انقلابه الحديث، ولكن لم يدر أي حوار بين بوتفليقة وساركوزي.

أنقذ الربيع العربي بوتفليقة من الوصاية العسكرية، إذ لازم الجنرالات الصمت في ظلّ العاصفة والحملة الفرنسية البريطانية ضدّ العقيد معمّر القذافي في ليبيا الّتي هزّت آخر المعادين للإمبريالية بين المسؤولين الجزائريين، وعزّزت الوحدة المقدّسة للنظام واستفاد منها الرئيس. كما استقبلت الجزائر جزءًا من عائلة العقيد ودعمت على ما يبدو للحظات أنصاره، ولم يكن الأمر ممكنًا لإقلاق الرئيس في ظلّ مناخ صعب وغير آمن وكان عدد المرشحين لخلافته نادرًا خاصّة وأنه أعلن عن إصلاحات دستورية طموحة وألغى حالة الطوارئ المعمول بها منذ ما يقرب من 20 عامًا.

تمثّلت الفرصة الأخرى لبوتفليقة في فرنسوا أولاند إذ شكّلت زيارته إلى الجزائر في ديسمبر 2012 نجاحًا مهمًا، وقدّم لبوتفليقة دعم باريس الّذي رفض ساركوزي منحه إياه واعتبره “قد عفا عنه الزمن” على الرغم من الآراء المختلفة لسفير فرنسا. وفي تلمسان أمام طلّاب جامعة أبو بكر بالقايد، ألقى الرئيس الفرنسي مديحًا مبالغًا فيه عن مستضيفه إلى درجة ضحك المستمعين بصوت عال.

في يناير 2013، أتت عمليّة سرفال والهجوم الفرنسي على المتمردين الّذين سيطروا على شمال مالي مهدّدين الجنوب وأرادت الجزائر -القوّة السياسية والعسكرية الرئيسة في المنطقة- تجنّب تدخّل الجهات الفاعلة الخارجية بأيّ ثمن في منطقتها، وعارض دبلوماسيوها أيّ تدخّل عسكري دولي لتتّخذ موقعًا حازمًا من أجل التوصلّ إلى تسوية دبلوماسية بحتة للصراع، مفكّرة في السيطرة على القيادي الطارقي المهمّ إياد أغ غالي والتمكّن من فصل جماعته أنصار الدين عن التحالف الجهادي.

ولكن غادر أنصار الدين بصورة مفاجئة طاولة المفاوضات في يناير 2013، وبدأت هجومها نحو الجنوب بعد بضعة أيّام مع حلّ مكتب دائرة المخابرات الداخلية في غاو. تلاشى بذلك الأمل في التوصّل إلى حلّ عن طريق التفاوض واضطرّت الجزائر إلى دعم التدخّل الفرنسي.

ثمّ قرّب الهجوم على موقع الغاز في عين أميناس يوم 16 يناير 2013 من قبل الموقّعين بالدمّ التابعة لمختار بلمختار بين بوتفليقة وأولاند بعد أن بات لهما عدوًّا مشتركًا.

بعد أن تعزّزت قوّته بهذه العودة في أواخر 2012 وبداية 2013 أقال بوتفليقة في بضعة أسابيع رئيس حكومته وقياديين في الحزبين الرئيسين للبلاد من التحالف الرئاسي الّذين كان بإمكانهم أن يصبحوا مرشحين خطيرين في الانتخابات الرئاسية في 2014 بدعم من الدوائر الأمنية والعسكرية. وبعد التخلّص من منافسين المحتملين، استعاد سيطرته ثمّ تعرّض إلى أزمة قلبية يوم 17 أبريل 2013 ونقل إلى مستشفى فال دوغراس في باريس لمدّة تقارب الثلاثة أشهر. أعتقد أنه فقد واعتبر ميّتًا وتزايدت التكهنات حول خلافته.

في غيابه، كانت البلاد تدار من قبل ثلاثة جنرالات: نائب وزير الدفاع الجنرال عبد المالك قنايزية، ورئيس هيئة الأركان العامّة أحمد قايد صالح، ورئيس دائرة المخابرات الأمنية محمد مدين.

تطهير بفراغ ما قبل وما بعد الانتخابات

عند العودة من الجزائر في الصيف، تخلّص الناجي من نائب وزير الدفاع وعهد بمهامه إلى رئيس هيئة الأركان البالغ من العمر 73 عامًا ليصبح القائد الوحيد للجيش الجزائري. دفعت الأجهزة الأمنية الثمن باهظًا خلال عملية إعادة التنظيم هذه وخسرت العديد من دعاماتها: توزيع إعلانات الدولة الضرورية لبقاء جزء كبير من الصحافة المكتوبة على قيد الحياة والأمن العسكري الّذي أوكل إلى قايد صالح والشرطة القضائية الّتي تمّ حلّها. وأخيرًا، أحيل العديد من مسؤوليها على التقاعد. كما “اختار” الحزب المهيمن في البلاد -اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني- أمينًا عامًا جديدًا، عمار سعداني في ظروف لا يمكن أن تكون إلاّ غير قانونية.

في ظلّ هذه الظروف، أثبتت الانتخابات الرئاسية في أبريل 2014 أنّها شكلية من أجل بوتفليقة الّذي كسبها بنسبة عالية (81.53 % من مجمل الأصوات) دون عقد أيّ اجتماع عامّ، كما رفض مراقبو الاتّحاد الأوروبي التنقّل إلى الجزائر بعد رفض السلطات منحهم السجل الانتخابي الوطني، وغالبًا لا تتطابق نتائج مكاتب التصويت مع النتائج المعلنة من قبل وزارة الداخلية.

لم ينه التراجع الملحوظ في أسعار النفط (الّذي يمثّل 97% من عائدات الجزائر بالعملة الأجنبية) التأمين الرئاسي إذ استبعد بوتفليقة فكرة التقشّف واعدًا بالحفاظ على المكتسبات الاجتماعية والمشاريع الكبرى للخطّة الخماسية 2015 – 2019. وتمّت مراجعة حزمة من مشاريع تخفيض واردات السيارات (أكثر من نصف مليون سيارة في عام 2013) في أعقاب زيارة فرنسوا أولاند الخاطفة إلى الجزائر يوم 15 يونيو.

بعد لقائه لمدّة ساعتين بالرئيس بوتفليقة والوزير الأوّل عبد المالك سلال في الإقامة الرئاسية المجهّزة بمعدّات طبية في زرالدة، صرّح فرنسوا أولاند: “أعطاني الرئيس انطباعًا بأنّه يمتلك قدرة كبيرة على التفكير، ومن النادر أن تدور نقاشات بهذه الكثافة وأن تلتقي برئيس دولة يمتلك هذه القدرة على الحكم“. يهدف هذا الإطراء الفاحش إلى دحض اتّهام المعارضة المندّدة بـ “شغور” الحكم والمتسائلة عن هوية الـ “المغتصبين” الّذين يمسكون العصا في ظلّ غياب الواصي، أمام الرأي العام المحلي والدولي. يخف علي بن فليس -زعيم المعارضة الّتي تشمل القوميين والإخوان المسلمين- من استيائه غداة الزيارة.

عمّ حصل فرنسوا أولاند مقابل هذه الكلمات الجميلة؟ وعود: انخفاض محتمل في الواردات ومشاريع كبرى للمؤسسات الفرنسية في قطاع السيارات والسكك الحديدية لتساهم في أن تجعل من فرنسا من جديد المزوّد رقم 1 في الجزائر.

تبع زيارة الرئيس الفرنسي -كما حدث في ديسمبر 2012، صدفة أم لا- تحويرًا وزاريًا شهد رحيل وزير التجارة المتّهم بمغالطة شركتي رينو وبيجو – سيتروين (الّتين تسيطران معًا على أكثر من نصف سوق السيارات في الجزائر) و”قضية زرالدة” بعد بضعة أيام.

هل يمكن لعبد العزيز بوتفليقة المدعوم من باريس باسم “مكافحة الإرهاب” والّذي عيّن رجالًا تابعين له في مناصب استراتيجية أن ينام مرتاحًا؟ عرف بوتفليقة الّذي انخرط في الحياة السياسية الجزائرية منذ عام 1957 المغامرة التعيسة لواحد من أسلافه، ففي خريف 1988 في أعقاب مظاهرات قمعها الجيش بشدّة، ممّا أسفر عن نصف ألف قتيل بين الشباب، تخلّص الشاذلي بن جديد من قيادات عسكرية وقيادات في مخابرات الأمن العسكرية وقيادات في الحكومة بالإضافة إلى زعماء في جبهة التحرير الوطني -الحزب الأوحد آنذاك- ليترك المجال خاليًا لأنصاره ولكن بعد ثلاث سنوات، أجبروه على الاستقالة ووضعوه قيد الإقامة الجبرية على شاطئ البحر.

أوريون XXI



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.