تحاليل سياسية

الأحد,6 ديسمبر, 2015
صيحات لإحترام الدستور من الداخل و من الخارج أيضا

الشاهد_تحتاج الدساتير الجديدة في كلّ دولة من العالم إلى فترة للتنزيل و إلى مرحلة تشريعيّة شاقّة يتمّ خلالها مراجعة كلّ القوانين لتكون ملاءمة للدستور الجديد إلى جانب إصدار أخرى ضروريّة لتثبيت علويّة الدستور نفسه و هي فترة يكثر فيها الجدل في الواقع بشأن كيفية التفطن إلى هذه القوانين و كيفيّة تعامل السلطة التشريعيّة مع معطى الدستور الجديد.

 

في تونس و منذ التصويت بأغلبية ساحقة على الدستور الجديد للبلاد في نهاية شهر جانفي من سنة 2014 إنطلق الجدل الداخلي خاصّة بشأن باب الأحكام الإنتقاليّة و الهيئات الدستوريّة و عدّة مواضيع أخرى في علاقة خاصة ببعض مشاريع القوانين التي تقدّم من هذا الجانب أو ذاك و من الحكومة على وجه الخصوص و هي التي أعلنت عن وجوب إتخاذ إجراءات وصفتها بالموجعة هيكليا و تشريعيا من أجل ضمان الحد الأدنى من الإستقرار الذي سيمكّن من ضخّ دماء جديدة في شرايين إقتصاد متعطّل و مشهد ثقافي و تربوي و إجتماعي و في عديد الميادين الأخرى يعرف حالة من التوتر على خلفيّة تأخر الإصلاح.

 

و كما هو الشأن في الداخل أين ترتفع الأصوات عاليا للحفاظ على الدستور كأبرز مكسب و منجز إلى حدّ الآن منذ الثورة ترتفع الأصوات من الخارج لتطالب هيئات و منظمات دوليّة بضرورة الحفاظ على تجربة فريدة عبر تطبيق الدستور و ملاءمة التشريعات القديمة و الجديدة له في عدّة مستوايات و قطاعات فلجنة البندقيّة مثلا أكّدت في تقرير مفصّل سابقا وجود خروقات للدستور التونسي في نص مشروع القانون المتعلّق بالمصالحة الماليّة و الإقتصاديّة و عدد من الهيئات و المنظمات الحقوقيّة أصدرت بيانات تحمل تحذيرات من مغبّة أن يطال تفعيل قانون الإرهاب الجديد في البلاد ضرب الحريات و حقوق الإنسانالمضمنة في الدستور.

 

من جانبها قالت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان أنّ أغلب القوانين التي تمت المصادقة عليها وكذلك المشاريع التي تمّت مناقشتها في السنة النيابية المنتهية لا تتلائم مع الدستور التونسي الجديد وندّدت في تقريرها الصادر الجمعة 4 ديسمبر 2015 بذلك، مؤكدة أنّ عملية اﻹصلاح التشريعي الجارية حاليا ضرورية ومن المهم دعمها ولكنها لا يجب أن تمسّ بالدستور وبحقوق اﻹنسان وأضافت أنّ مجلس نواب الشعب لم يسع إلى ملائمة التشريعات مع الدستور ولا إلى مراجعة الترسانة القانونية الموجودة والتي تضيّق على الحريات وتقمعها بينما انصبت جهوده على تبني قانون لمكافحة اﻹرهاب، معتبرة أن هذا القانون يقيّد الحريات ويحقّق حصانة للأمنيين حسب نص البيان، وتبعا لذلك طالبت الفدرالية النواب بإزالة كافة المواد غير الدستورية وأوّلها تلك المضمّنة بقانون مكافحة اﻹرهاب وغسيل اﻷموال.

 

تحتاج مراجعة التشريعات القديمة و إصدار القوانين الجديدة ضمن سقف الدستور الجديد للبلاد إلى الوقت و إلى جهد أكبر من المؤسسة التشريعيّة المنتخبة ممثلة في مجلس نواب الشعب و لكنّها تحتاج أيضا إلى دور فعّال للمواطن الرقيب و إلى يقظة الجميع من أجل دستور يقي التونسيين شرور دكتاتوريّة أضاقتهم لعقود من الزمن طعم المرارة و لا تزال تركتها إلى اليوم.