كتّاب

الخميس,14 أبريل, 2016
صناعة الصنم

fouzia

د . فوزية الجوهري

الشاهد_كان الصنم يُعبد قبل الإسلام وبعده، وهناك من أشركه إلى عبادة آلهة أخرى،، ولم يتغير المفهوم. فالصنم لازال يُصنع حتى يومنا هذا، وإن لم يكن من طين ورخام!.

وكانت الأصنام تصنع للعبادة، ويشترك فيها طرفان، الأول صَنَعها ليُتاجر بها والثاني تعهدها بالصيانة وقدّم فضل وقته ليتذلل ويتزلف ويخنع لها، بين التاجر الماكر والعبد الذليل ترعرعت صناعة الاصنام.

ولما اختفت أو كادت أن تختفي في ثوبها القديم التقليدي، نشطت نوعية أخرى من هذه الصناعة، وتحول الصنم من حجارة وخشب إلى أشكال عديدة وبأسماء مختلفة.


فوُجد الصنم الإنسان، والصنم الذهب، والصنم الجنس، والصنم الإعلام، والصنم الثراء.. وتفرعت أنواع الأصنام حتى أصبح يصعب حصرها. والمؤسف أنه ومرة أخرى يتورط الانسان في صناعة صنمه! فبعد أن صنع الصنم الحجر وعبَده لقرون، عاد ليتفنن في صنوف أخرى من الاصنام، وكأن هذا الكائن البشري يصر على ارتهان نفسه وامتهانها.

بعدما منّ الله عليه بالخلاص من عبادة الصنم الحجر وكرمه وزوده بمقومات كفيلة باجتثاث العبودية لغير الله من وجدانه، تجده يعود فيتحايل على فطرته ويطور من مصادر الأصنام ويُخضع نفسه إلى قوالب جديدة وشاقة من العبودية، تحمّل فيها عبء صناعة الصنم ثم عبء عبادته ثم عبء الذل والهوان. وبما أن الصنم الجديد في نسخته المطورة غير صنم الحجارة، فقد أصبح بإمكانه التغول والتضخم وإضافة جرعات من الأذى والاسترقاق تخرج في غالبها عن السيطرة.


لم تعد هذه الصناعة حكرا على الشعوب ولا على فئات بعينها بل انتشرت على كل المستويات وعمت كل المؤسسات، سواء تلك التي تعتمد على القيم في عملها أو غيرها، مع تفاوت في مستوى العبودية.


بالبحث في أعماق التاريخ يمكن فهمُ الأسباب التي دفعت بالانسان القديم إلى اللجوء للاصنام في خضم سيطرة هذا النوع من الآلهة على مساحة شاسعة من عقول الناس.

لكن في عصرنا الحديث يصبح الأمر ضربا من الهوان، فالدين جلي يسير، ولا يحتاج الى وساطات. في المقابل تشبع العقل البشري بثقافة الحرية والكرامة ولم يعد في حاجة إلى العبودية. وبالرغم من هذا كله يصر بعض بني جلدتنا على الخضوع للأصنام ويسعون إلى رهن محيطهم إليها.

فيما تجد أقلية تدعو وتتشبت بالحرية وترفض القيود.


وتستمر الحياة، ويستمر أحرار العالم يهتفون “في هذا الكون ما يستحق الكرامة” ، وعبيده يصرخون “في هذا الكون ما يستحق العبودية„.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.