كتّاب

الجمعة,5 يونيو, 2015
صلاح الدين الجورشي يكتب: “تونس تغرق يا.. أهل الخير”

الشاهد_قررت أحزاب الائتلاف الحكومي النزول بقوة للدفاع عن سياسات الحكومة وحمايتها من محاولات المعارضة التشكيك في قدراتها وربما حتى العمل على إسقاطها. صحيح أن هذا القرار تأخر كثيرا، لكن مع ذلك فهو يدل على أن الأحزاب المشكلة لحكومة الصيد شعرت بأن مصداقيتها في الميزان، وأنها تبقى مسؤولة بنفس الدرجة على الفشل أو النجاح. وعندما يقال حكومة الحبيب الصيد، فإن ذلك لا يعني أنه في صورة الإخفاق ستكون الأحزاب في منأى عن النتائج والتداعيات، لأن الجميع سيخضعون للحساب.

 

 

هذا الأمر أدركه حزب نداء تونس- أو هكذا يبدو بعد هدأت العاصفة داخل صفوفه- وإن كانت توجد مؤشرات عديدة تدل على أن الصراع الداخلي قد يعود بحدة سواء مع اقتراب موعد مؤتمر الحزب في ضوء نتائجه. المعلومات المتوفرة لدينا تؤكد أن كل فريق بصدد استحضار عوامل القوة والضعف في قدراته وبنيته الذاتية، وأن عديد الأعضاء في كلى الفريقين يتأرجحون بين التشاؤل  والتشاؤم . ومع ذلك توجد رغبة لدى أغلبية الندائيين للدفاع عن حكومة الحبيب الصيد حتى وإن كان الكثير منهم غيرمقتنعين بقدرتها على إدارة البلاد في هذا الظرف الصعب والمعقد. وتكمن المشكلة في مدى قدرة حزب مريض على دعم حكومة تتحرك في بحر هائج..

 

 

إذا انتقلنا إلى حركة النهضة يلاحظ بأنها قررت أن تضع ثقلها في الميزان وأن تنحاز عمليا للحكومة، وهو ما تجلى في مناسبات عديدة. وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى تنقلات رئيس الحركة لعديد المناطق آخرها مدنين وتطاوين اللتان تتمتع فيهما الحركة بحضور شعبي قوي، وهو ما أكدته الانتخابات البرلمانية الأخيرة وقبلها انتخابات المجلس الوطني التأسيسي. وفي كل محطة يلح على الأخذ بعين الاعتبار الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، وعدم التعجل في الحكم على الحكومة. وفي هذا السياق انتقد الشيخ راشد الغنوشي على سبيل المثال حملة “وينو البيترول” التي اعتبرها من قبيل “نشر الفوضى والدعايات المضللة” رغم الدعم القوي الذي تلقاه من الحليف السابق المنصف المرزوقي. كما ندد الغنوشي بقوة اتساع رقعة الاضرابات والاعتصامات، والتي رأى فيها تهديدا للاستقرار وسعيا من قبل بعض الأطراف لإسقاط الحكومة. كما وقفت حركة النهضة ضد إصابة شركة فسفاط قفصة بالشلل التام، وردت الحركة بشدة على الجبهة الشعبية التي اتهمت النهضة بالوقوف وراء إضراب الحوض المنجمي.

 

 

وفي الوقت الذي أعلن فيه حمة الهمامي أن ” بوادر فشل حكومة الحبيب الصيد قد اتضحت للجميع”، تعمل حركة النهضة بكل طاقتها في سبيل انقاذ الحكومة ودعمها. فرغم أن الحركة لا تشكل ثقلا عدديا داخل الحكومة، إذ تعتبر الأقل تمثلية  في التحالف الرباعي، إلا انها تبدي إدراكا عاليا لخطورة الموقع الذي تحتله في هذه الحكومة. العبرة ليست بعدد الحقائب الوزارية وإنما بوجود الحركة بنفس القطار الذي يركبه بقية الشركاء، وبالتالي ما يصيب الآخرين يجري على الحركة مهما كان حجم كل طرف. بل وإن وابل النقد الذي ستمارسه المعارضة وغيرها في حال انهيار الحكومة سيسلط بنسبة أكبر على  “النهضة” من أجل إثبات فشلها الكامل سواء أكانت تمسك بالقطار الحكومي في عهد الترويكا أو تحتل موقعا غير أساسي في حكومة الصيد. بل إن خصومها العقائديين لم ينتظروا الإعلان عن فشل الحكومة، وإنما هم بصدد الترويج لرواية تقول بأن لحركة النهضة تكتيك مزدوج، فهي من جهة مشاركة في الحكومة، ومن جهة أخرى تعمل على إسقاط الحكومة !!

 

 

عندما أصرت الحركة على المشاركة في حكومة الصيد كانت تدرك فيما يبدو أنها مقدمة على مغامرة صعبة غير مضمونة النتائج، لكنها مع ذلك قررت أن تخوض التجربة، واليوم هي مطالبة أمام قواعدها وأمام الرأي العام أن تتحمل مسؤولياتها كاملة. وهو ما دفعها مؤخرا إلى مزيد الالتحام بالمسار الحكومي رغم تصاعد حدة الانتقادات ليس فقط من قبل المعارضة وإنما أيضا من قبل جزء واسع من الرأي العام، إضافة إلى اتساع رقعة الاحتجاجات التي غطت جزء هاما من البلاد، وكذلك توسع رقعة الاضرابات واحتداد الأزمة مع قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل ومع أبرز كوادره الماسكين بأهم المؤسسات والقطاعات الاقتصادية الحيوية.

 

 

هناك تحد يواجه البلاد ويهدد أمنها واستقرارها ووحدتها. إن حدة الأزمة الاقتصادية تكاد تعصف بكل ما تحقق في تونس, فالمؤشرات السلبية والمخيفة تتوالى بشكل مرعب. تونس اليوم في حالة مرضية خطيرة. تونس يا جماعة ليست بخير، والتونسيون في حيرة من أمرهم وهم يتابعون التطورات الحزينة الجارية هنا وهناك داخل الوطن وفي محيطه الاقليمي. التونسيون في أشد الحاجة إلى رجة قوية تعيد حماستهم للتغيير الكبير الذي وضعهم على سكة الديمقراطية دون أن يتوفر لهم الوعي الكافي بما حققوه. التونسيون غير مدركين ما الذي يعنيه توسع تنظيم داعش في ليبيا. فالحدث هناك والصدى هنا. جزء كبير من الرأي العام يعتقد انه ضحى بما فيه الكفاية ويريد أن تتحسن أوضاعه سريعا، وعلى الحكومة ان تتدبر أمرها حتى لو كان ذلك بمزيد الاقتراض، وإن لم تفعل فعليها أن ترحل دون معرفة البديل. والنخب السياسية والثقافية في حالة نزاع لا يتوقف. صحيح حققوا التوافق لكن على استعداد دائم للتقاتل في كل لحظة وفي أي مكان ومن أجل أي موقع. لا أحد يريد أن يضحي، ونادرا ما تجد أحدا يفكر جديا في أن البلاد عبارة عن باخرة تحمل الجميع ويجب أن تتضافر الجهود من أجل انقاذها من الغرق. على العكس من ذلك، كثيرون يعملون على أن يثقبوا قاع الباخرة ليحصلوا على الماء، حتى لو كان ذلك ماء البحر المالح. إن الثورة والأنانية ضدان لا يجتمعان، وإذا اجتمعا فإن الثورة هي التي تغادر المكان بسرعة ليحل محلها الخراب.

 

 

الضمير التونسية عدد668 بتاريخ 3 جوان 2015