كتّاب

الخميس,17 ديسمبر, 2015
صفعة البوعزيزي في تونس.. 5 سنوات من الثورة

الشاهد_صفعة فشرارة، انتفاضة فثورة، في البداية لابدّ من القول والاعتراف بأن ما بعد 17 ديسمبر 2010 ليس كسابقه من الأيام وأن ما حدث ليس بجديد على الشعب التونسي الذي اعتاد الثورة على الظلم والطغيان والانتصار لمبادئ الكرامة والإنسانية.

 

في 17 ديسمبر 2010 تقدم “محمد البوعزيزي”شاب تونسي -يعمل بائع متجول- إلى مقر محافظة سيدي بوزيد لتقديم شكوى في حق شرطية صفعته أمام الملأ أثناء قيام قوة من البلدية بمصادرة عربيته لبيع الخضروات و الفواكه، عمل يتحايل به محمد على ظروفه المعيشية الصعبة والبطالة كأغلب الشباب في وطننا العربي.

 

 

أقدم على الانتحار.. !

محمد البوعزيزي كغيره من خريجي الجامعة، إضطرته البطالة للعمل كبائع للخظار على عربة يجرها باليد، مثله مثل الملاين من الشباب في عالمنا العربي الذين يتعرضون كل يوم للعنف والإهانة والضرب.
صفعة أنهت حياة محمد وغيرت مجرى حياة الملايين في العالم، فشعوره بالاهانة التي بدأت منذ اضطراره إلى تجاهل شهادته الجامعية واليأس من حصول على وظيفة، إضطره لإشعال النار في جسمه أمام مبنى المحافظة تعبيرا عن شعوره بالإحباط والظلم من الحياة.

 

هزت حادثة الانتحار وجدان الشعب التونسي وقدر لها أن تكون شرارة لانطلاق احتجاجات واسعة في هشيم الغضب لتتوسع الاحتجاجات في صفوف الشباب ليشمل معظم العاطلين عن العمل، وسرعان ما امتدت إلى مدن تونسية أخرى، وصولا إلى سقوط رأس النظام “زين العابدين بن علي” في 14 جانفي 2011.

 

 

ربيع أم خريف ؟

إن ما حدث لم يكن وليد اللحظة وإنما كانت له العديد من المؤشرات التي عزّزت الحدس بقرب الانفجار، بالإضافة إلى بلوغ الظلم والفساد أوجهما وهيمنة النخبة الحاكمة على مجتمع المال والأعمال في الدولة التونسية وانتشار البطالة والفقر ومن ثمٌ قرار نظام الدكتاتور استخدام القوة الأمنية “الأسلوب” الذي طالما أتقنه و إنتهجه.
اختلفت في الوهلة الأولى المواقف الإقليمية والدولية إزاء الثورة التونسية وما تبعها من ثورات الربيع العربي في مصر واليمن وليبيا وسوريا، فروجت حكومات عربية بأن هذه الثورات ما هي إلا مؤامرة غربية ووقفت منها موقف المتربص، وعقدت العزم على قتلها في المهد عبر استخدام سطوة المال والإعلام وما لبثت فيما بعد أن بدأت تباعا في السقوط في مهب الفوضى والدمار واستعمال القوة الأمنية لمعالجة أوضاعها.

 

ورغم أن ثورات الربيع العربي في جوهرها مدفوعة بمطلبي الحرية والكرامة فقد تحولت ليبيا واليمن وسوريا ومصر وتونس إلى أماكن لإدارة معارك بالوكالة وتحريك كل عوامل الثورة المضادة فيها حتى لا تبلغ شاطئ الأمان.
بعد خمس سنوات من يوم الشرارة، يتفق فيها المحللون والسياسيون والخبراء على أن تونس تسير على الطريق الصحيح في مسارها للانتقال الديمقراطي، فيما يختلف مسارها عن أشقائها العرب، بانقلاب على حاكم جاء بانتخابات نزيهة ديمقراطية في مصر وحرب أهلية بكل من ليبيا واليمن، والجرح الغائر بسوريا لحاكم طاغية يقتل الآلاف من شعبه كل يوم وحروب طائفية تبدو فيها حصيلة الربيع سوداء قاتمة.

 

 

الإجابة .. “حوار وطني”:

غيرت الثورة التونسية الفكرة الأساسية والوعى العام الذي يراد للشعوب العربية تبنيه بأنهم غير قادرين بالفطرة والتكوين على بناء مجتمع متفتح وديمقراطي ومؤسسات دولة حديثة.
ورغم الكثير من المخاطر والتحديات التي تهدد نجاح التجربة التونسية وما مرت به من مراحل انتقالية وقوة الجذب للتراجع عن المكتسبات المحققة للشعب التونسي و محاولات إجهاض الثورة والحلم العربي في التحرر من قيود الظلم والتخلف، كسرت تونس حاجز الخوف الذي أكد بأن الشعب قادر على الفعل متى أراد طالما وجد الأمل والإصرار، واجتازت المراحل الانتقالية من انتخاب مجلس وطني تأسيسي لانجاز دستور جديد للبلاد وسن قوانين لحماية الحريات ومكتسبات الثورة.

 

و بعد فوزها بانتخابات “المجلس الوطني التأسيسي” في 23 أكتوبر 2011 ورغم حصولها على نسبة تفوق الأربعين بالمائة، لم تتمكن “حركة النهضة التونسية” القائدة لإتلاف الترويكا الحاكم في الفترة الانتقالية من الحكم، بل وقفت في صدارة المشهد تواجه موجات الثورات المضادة إقليميا ودوليا من اغتيالات سياسية وتهديدات إرهابية وأيضا استمرار الصراعات السياسية وبتشكل مشهد جديد لقوة المعارضة، ما لبثت أن تحولت إلى أزمة خانقة واستقطاب حاد ما فرض على التونسيين الدخول في حوار وطني شامل يجمع مختلف الحساسيات السياسية والمجتمعية لإيجاد الصيغة المناسبة لحكم البلاد.

 

وتمكنت الأحزاب الإسلامية والأحزاب العلمانية بقيادة الرباعي الراعي للحوار الوطني -و هي أربع منظمات من المجتمع المدني “الاتحاد العام التونسي للشغل”، “الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية”، “الهيئة الوطنية للمحامين” و”الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان”- من الاتفاق على بنود للخروج من الأزمة وايجاد تسوية مهَّدت الطريق من أجل تشكيل حكومة انتقالية ودفع البلاد إلى الأمام بختم الدستور الجديد وإجراء أول انتخابات برلمانية حرة، نزيهة وشفافة بعد الثورة تصدرتها “حركة نداء تونس” في 26 أكتوبر 2014.
وانتخب “الباجي قائد السبسي” بنسبة 55.68% رئيساً سادساً للبلاد متفوقا على نظيره الرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي الذي حصل على نسبه 44.32% في 23 نوفمبر 2014.

 

 

المسار التوافقي ونوبل للسلام ..:

أدى نجاح تجربة الرباعي في رعايته لحوار الفرقاء السياسين في تونس إلى إيجاد نموذج توافقي في إدارة الشأن العام ما أصبح يُعرف عربيا بـ”الاستثناء التونسي”، جعل القوى السياسية الكبرى تعمل في حكومة واحدة وتبذل جهدها في نبذ العنف ومواصلة المضي نحو البناء و النهوض بوعي المجتمع التونسي.
وفي يوم 9 أكتوبر 2015 أعلنت لجنة نوبل النروجية منح “رباعي الحوار الوطني التونسي” جائزة نوبل للسلام لإسهامه في بناء الديمقراطية بعد ثورة الحرية والكرامة التي أطاحت بنظام المخلوع “بن علي” عام 2011 ودعما لعملية بناء الديمقراطية في تونس،

 

منح تونس جائزة نوبل للسلام، تتويج وفخر ورسالة أمل للمنطقة بأن الحوار هو الطريق الصحيح للبناء، وهي رسالة بأن التوافق يكون بالحوار وليس بالحروب.
تظل في النهاية إرادة الشعوب وصمودها وإصرارها وراء نجاح التجارب ومواصلة طريقها لتحقيق الأهداف التي تقاوم من أجلها، لتؤكد كل يوم أن الملك والسلطان لا يستقر لأحد وأن كل ظالم زائل، وأن ليل الظالمين مهما طال فلابد من بزوغ فجــر الحـرية والكرامة.

“إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ، فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر” – الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي

نافع الشتيوي – TRT العربية



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.