كتّاب

الثلاثاء,15 سبتمبر, 2015
صعود كوربين لم يكن صدفة

الشاهد_لم يقطر السم من أفواه المعلقين نهاية هذا الأسبوع، وإنما تفجر عيونا وانساح سيولا. لم تمض سوى ساعات على انتصاره في التنافس على زعامة حزب العمال حتى وُصم كوربين بمختلف النعوت: “اليساري الطوباوي الذي لا يصلح لدنيا الواقع” (داي فيلت)، و “الاشتراكي الملتحي من شمال لندن” (سيدني مورنينغ هيرالد)، و “النباتي ذو اللحية البيضاء” (ذي وول ستريت جورنال)، و”الشعبوي” (ذي واشنطن بوست). وتساءلت صحيفة دان بالز بتدبر “إذا كان كوربين قد نجح في الفوز بزعامة حزب العمال، فهل يتمكن بيرني ساندرز، السيناتور الاشتراكي المستقل من فيرمونت، من عمل الشيء ذاته بالديمقراطيين؟”. أما بالنسبة لصحيفة ذي واشنطن إكزامينر، فكانت الحقيقة واضحة لا تشوبها شائبة، إذ اعتبرت أن “كوربين كان شيوعيا يختبئ تحت السرير” (وقد أصبح الآن بالفعل رابضا فوق السرير). وترى الصحيفة أن الدليل على ذلك أنه كان في يوم من الأيام كاتب عمود في صحيفة ذي مورنينغ ستار “وهي الصحيفة التي كانت في الأصل ناطقة باسم الحزب الشيوعي في بريطانيا العظمى”.

ولم يكن نصيب كوربين أفضل حالا داخل بلاده، فقد نعتته ذي ديلي ميل بالمؤنق واتهمته بالخيانة:

“ولد كوربين لعائلة ثرية مرتاحة من الطبقة الوسطى، وترعرع في ضيعة تقدر قيمتها بمليون جنيه استرليني، وتلقى تعليمه في مدرسة خاصة، ولذلك كان يمكن أن يعذره المرء لو انضم إلى حزب المحافظين”.

بالرغم من كل الحديث عن الحركية الاجتماعية، ما تزال الطبقية في بريطانيا متربصة تحت السطح. انضمت صحيفة الأوبزرفار إلى الركب وغرست سكينها هي الأخرى بصمت، ولكن بعزم شديد، في ظهر كوربي، حيث كتب محررها السياسي أندرو راونسلي يقول:

“كان الشعور بالنشوة لدى أنصار كوربين يقابله شعور شديد بالأسى والإحباط في أوساط جزء كبير من الرأي العام داخل الحزب، والذي يمثله نواب البرلمان عن حزب العمال. عبر أحدهم، وهو ممن لم يجرب عليه الإغراق والمبالغة، عن حزنه بالقول “لقد ألقى حزبي بنفسه للتو من على سفح الجبل”. من الواضح أنه لا يتكلم فقط نيابة عن نفسه. فهذه النتيجة لم يرغب فيها أكثر من عشرين نائبا عماليا، أي ما نسبته 10 بالمائة من الكتلة النيابية للحزب”.

إذن، يصبح كوربين بذلك ساندانيستا أيضا. والآن لنضع جانبا قضية كوربين الرجل وما يولده من حرارة لاهبة دخل حزبه. ما يزال هو نفسه غير عارف بمواصفاته كزعيم. فقد دخل حلبة السباق فقط ليضع القضايا على الأجندة ولم يتوقع أبدا أن يفوز ناهيك عن أن يفوز فوزا ساحقا. في اليوم الأول لاستلامه مهام عمله الجديد جاهد ليشكل فريق عمل يحتل المقاعد الأولى في البرلمان (أي حكومة الظل). ولابد أن أفكاره كانت أبعد ما تكون عن التفكير بحكومة مستقبلية.

فعلا، من الأيسر على الإنسان أن يكون منسجما مع ضميره حينما يكون على هامش السلطة مقارنة بحاله حينما يكون منهمكا في بناء التحالف اللازم لتشكيل حكومة تدير أمور البلاد. خذ على سبيل المثال غوردون براون، الذي كان يشغل مقعدا خلفيا في البرلمان كان نقيضا تماما لما أصبح عليه عندما صار رئيسا للوزراء. فخارج السلطة، كان براون خفيف الظل، يحب المزاح، ويجيد العمل ضمن الفريق، وله شعبية بين أقرانه. أما داخل السلطة فأصبح شخصا لا يثق بأحد، حاد الطبع وعرضة لنوبات من الغضب السريع (اشتهر عنه بينما كان وزيرا للمالية أنه كان يلقي بالهواتف من النافذة). وانتهى به المطاف أن يترك وحيدا.

ولنركز بدلا من ذلك على ما يحدث به هذا النفث من الحقد عن صفات وطباع من يقومون به، أولئك الذين يقفون على الأرض الوسط دخل الطيف السياسي، أو ما يسمون بالاتجاه العام أو السائد. إذا كانوا يعتبرون كوربين غير قابل للفوز في الانتخابات، فمن ذا الذي يعتبر قابلا للانتخاب، وما هي سلوكياته؟ لو جردنا كلامهم مما فيه من قدح وذم وتشهير، فإن ما يبقى هو اتهامهم لزعيم حزب العمال الجديد بأنه غائب عن الواقع غير مدرك لمتطلباته، وبأنه تنقصه المصداقية، وبأنه يمكن أن يشكل خطرا على أمن بريطانيا. من المهم اختبار هذه المزاعم في ضوء ما يمرر حاليا على أنه الواقع والمصداقية والأمن في السياسة المتبعة في الشرق الأوسط، وهي القضية التي تشغل بال كوربين وتجده باستمرار منهمكا في التفكير فيها.

الواقع، وما أدراك ما الواقع؟ أن أربع حروب أهلية، أربع حرائق مندلعة خرجت ألسنة لهيبها عن السيطرة لتلتهم سوريا والعراق واليمن وليبيا، وقد تصبح خمسا إذا زادت الأوضاع في مصر تدهورا. يتمثل الواقع في الفشل الإستراتيجي الذريع في كل مرة جرى فيها تدخل منذ حرب الخليج الأولى. يتمثل الواقعي في 432,761 لاجئا ومهاجرا عبروا البحر المتوسط حتى الآن هذا العام، أي ضعف العدد الكلي للاجئين والمهاجرين الذين عبروا البحر خلال العام الماضي. يتمثل الواقع في فقد كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا للسلطة والنفوذ على حلفائهم التقليديين – المملكة العربية السعودية وإسرائيل ومصر، الذين باتوا يقررون ما يريدون لأنفسهم بأنفسهم. ما هو إذن الشيء الذي يستحق أن نحافظ عليه من هذا الواقع؟ حقيقة أنه يمكن أن يزداد سوءا؟ إنه الآن في غاية السوء.

المصداقية، وما أدراك ما المصداقية؟ إنها الميدالية التي تمنح لكل زعيم يتخذ “موقفا شجاعا ومبدئيا”، ولكنه يبذل من بعد كل ما في وسعه للهرب من المحاسبة وتحمل المسؤولية عن أفعاله. يريد دافيد كاميرون إقحام تصويت داخل البرلمان على قرار يمكنه من استخدام سلاح الجو الملكي البريطاني لقصف مواقع الدولة الإسلامية في سوريا، وذلك بالرغم من خسارته من قبل لتصويت مشابه على مشروع قرار بقصف بشار الأسد بعد تنفيذ قواته هجمات بالأسلحة الكيماوية في دمشق. لقد تم الكشف مؤخرا عن أن الطيارين البريطانيين يشاركون في الهجمات الجوية باستخدام طائرات أمريكية، كما أن الطائرات من غير طيار التابعة لسلاح الجو المكلي البريطاني تشارك في العمليات، وذلك بالرغم من أن البرلمان لم يُدع للاجتماع ليقرر رأيه في الأمر. المصداقية أو الثبات ليست من المفردات التي تستخدم في العادة لوصف السياسة التي تنتهجها الحكومات. لقد ترنحت سياسة الحكومة البريطانية تجاه سوريا تارة ذات الشمال وتارة ذات اليمين، وكان مبدأها تشجيع الثوار على الاعتقاد بأن الإطاحة ببشار الأسد كانت وشيكة، وذلك خلال المؤتمرين اللذين عقدا في جنيف. ثم تبدلت السياسة إلى اعتبار أن الأسد يمكن أن يبقى ضمن إطار حكومة انتقالية. أما سياسة كاميرون تجاه مصر فتتمثل في التعامل مع الدكتاتور في السلطة، دون أن يكون له أي دالة عليه أو يكون لديه أي أمل في التأثير على أسلوبه في الحكم. وسيكون عبد الفتاح السيسي الضيف القادم الذي يحل على كاميرون في مقر عمله، وإقامته الكائن في داونينغ ستريت.

والأمن وما أدراك ما الأمن؟ تشتمل الكلمة على نقيض معناها – حيث يتشكل انطباع عام بأنها تعني الشعور الجماعي الدائم بعدم الأمن وبالخوف. ما من شك في أن استخدام الطائرات من غير طيار لاستهداف الجهاديين البريطانيين في العراق سوف يؤدي حتما، -تماما كما أن الليل يتبع النهار-، إلى محاولات من قبل تنظيم الدولة الإسلامية لشن هجمات استعراضية ومثيرة على أهداف داخل بريطانيا، قد تكون شبيهة بتلك التي تعرضت لها فرنسا. إن من الصعوبة بمكان تحري أو إجهاض التخطيط لمثل هذه الهجمات. ويزداد الأمر صعوبة على أجهزة المخابرات حينما تكون أجهزة الدولة الأخرى منهمكة وبكل إصرار في تنفير واستبعاد مسلمي بريطانيا، الذين هي في أمس الحاجة إليهم كعيون وآذان لها.

وآخر الأمثلة على ذلك الإستراتيجية التي تنهجها وزارة الداخلية في المدارس والمعروفة باسم “امنع”. بموجب القوانين الجديدة، يُطلب من المعلمين رصد التلاميذ وتحري أي توجه لديهم نحو التطرف. صرح أحد التلاميذ لقناة الجزيرة بأنه اتهم باعتناق “أفكار شبيهة بالإرهاب” من قبل ضابط شرطة استجوبه لأنه أتى إلى المدرسة بمنشورات تدعو إلى مقاطعة إسرائيل.

لكن يبدو أن دولة الأمن لا تنفك تؤخذ على حين غرة بتطورات الأحداث – لقد فوجئت بانهيار الجيش العراقي في الموصل في حزيران/ يونيو 2014، ذلك الجيش الذي أنفقت عليه الولايات المتحدة الأمريكية 25 مليار دولار، كما فوجئت بصعود تنظيم الدولة الإسلامية، وفوجئت كذلك بسيل اللاجئين المتدفق على أوروبا. وبعد كل إخفاق، تعمد دولة الأمن إلى ابتزاز مواطنيها حتى يعدوا أنفسهم لمواجهة تحد آخر، في الأغلب على صورة حرب طويلة الأمد. ويتم تبرير الحروب من خلال الحديث عن متطلبات وجودية. ويقال لنا بأن التطرف الإسلامي بات يشكل تهديدا ليس فقط للحكومات والمجتمعات وإنما أيضا للديمقراطية نفسها. وفي سبيل ذلك تضفى على تنظيم داعش الخواص نفسها التي كانت تعطى للشيوعية في أوج الحرب الباردة، فيوصف بأنه عدو لا عقلاني يهدد نمط حياتك، ويشكل خطرا داهما على العالم بأسره. ويصبح من الصعوبة بمكان تحديد النقطة التي تبدأ عندها حرب وتنتهي عندها أخرى. لقد تعودنا على العيش في حالة من الحرب المستدامة.

كشف الميزانية ليس شاملا ولا تاما، إلا أنه يصعب الدفاع عن النتائج بغض النظر عن الموقع الذي تقف فيه داخل الطيف السياسي. فبعد التلفيقات التي جرت في عهد بلير وبوش بشأن وجود أسلحة دمار شامل في عراق صدام حسين، لم يعد الناس ينظرون إلى أجهزة الاستخبارات بالاحترام نفسه والتوقير الذي كانوا يكنونه لها في هذا الجانب من الأطلسي. لقد فقدت دولة الأمن سلطتها.

بعد الإخفاقات المتتالية لعمليات التدخل الخارجي، لم يعد بناء الدولة سوى مفخرة من مفاخر الماضي البعيد. ولئن شئنا الترفق في وصف هذا الإخفاق، فإن أفضل ما يمكن عمله هو تطبيق قانون النتائج غير المقصودة، أما التاريخ فسيكون حكمه بكل تأكيد أكثر قسوة. ما فعله بلير وبوش من خلال غزو العراق هو تدشين سلسلة من الأحداث المتعاقبة التي أدت إلى النيل من الوحدة الترابية للأقطار وأطلقت العنان للصراع الطائفي في كافة أرجاء العالم العربي وورطت كلا من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تارة أخرى في الحرب تحت قيادة زعيمين مختلفين، وبعد مرور 12 عاما على الحرب التي سبقتها. وكانت التكلفة نفوق مئات الآلاف من البشر ما بين الفترتين.

في سبيل غزو العراق تجاهل طوني بلير أضخم مظاهرة شهدتها لندن في تاريخها، حيث احتشد ما يقرب من 3 ملايين شخص يوم الـ15 من شباط/ فبراير 2013، بحسب إحصائية تقدم بها منظموها والذين كان جيريمي كوربين واحدا منهم. بعد ذلك أصبح كوربين رئيس تحالف “أوقفوا الحرب”، وأصبح كوربين من بعد على هامش السياسة بينما كان بلير في القلب منها. عندما أعلنت نتائج المنافسة على زعامة حزب العمال يوم السبت، جاءت في المرتبة الأخيرة ليز كيندال، التي تعتبر أقرب المرشحين إلى طوني بلير (والتي قالت في تصريح لصحيفة الغارديان “لست مرشحة تيار بلير، إنما أنا مرشحة نفسي”) ، ولم تتجاوز نسبة ما حصلت عليه 4.5 بالمائة من الأصوات.

يلاحظ هنا حصول تبادل في المواقع والأدوار، ولعل في ذلك إشارة إلى أن صوت أولئك الملايين من المتظاهرين لم يخفت ولم يختف في يوم من الأيام. من الجدير بالذكر أن كوربين هو أول زعيم لحزب العمال يحتل موقع الراعي لحملة التضامن البريطانية مع فلسطين. كان أسلافه من زعماء حزب العمال يحرصون على العضوية في جمعية أصدقاء إسرائيل داخل حزب العمال. واليوم، وجه رئيس هذه الجمعية جوان رايان نداء إلى كافة الداعمين له باختيار أي مرشح آخر غير كوربين – الذي يقال، ضمنا، إنه غير قادر على “لعب أي دور في عملية السلام في الشرق الأوسط”. وهذا اختزال آخر للواقع، فعملية السلام غير موجودة، بينما المستوطنات الإسرائيلية مستمرة.

ما من شك في أن كوربين هو الأول من نوعه في حزب العمال الذي كان في عام 1948 قد دعم بقوة إقامة إسرائيل في فلسطين. كوربين هو الذي سيعيد الصوت الفلسطيني والرواية الفلسطينية إلى النقاش. فمن بين المرشحين الأربعة في التنافس، كان كوربين هو الوحيد الذي دعا إلى حظر على بيع الأسلحة إلى إسرائيل، وجاء ذلك في أحد اللقاءات الانتخابية في شمال لندن.

لم يكن انتصار كوربين صدفة ولا حدثا عارضا، بل جاء نتيجة لحالة من الغليان استمرت اثني عشر عاما منذ ذلك الحشد الجماهيري العظيم الذي تظاهر في شوارع لندن. لقد نجح كوربين في الحصول على دعم وتأييد جيل جديد وفتي من المقترعين الذين سئموا السياسيين الذين يتصرفون كما لو كانوا آلات لا شعور لها. إن الذين صوتوا لكوربين لا تعنيهم الكاريزما ولا الشعارات ولا الكلمات الرنانة، وإنما يطلبون زعيما قادرا على تغيير الأمور نحو الأفضل، ويتطلعون إلى كلام صريح صادق، وإلى زعيم يثبت لديه الالتزام والأمانة والاخلاص والاستقامة. ولدى كوربين فيض من هذه الخصال. هل تتاح له الفرصة لاستخدامها؟ هذا سؤال آخر. ولكن، في هذه اللحظة بالذات، يعتبر وصوله إلى زعامة المعارضة داخل البرلمان البريطاني نقطة تحول مهمة ستلهب وتعيد توجيه ما يعتبر في العادة رأي التيار العام أو السائد. وهذا بحد ذاته إنجاز مهم، سواء وصل كوربين إلى السلطة أم لم يصل.

ديفيد هيرسيت