مقالات مختارة

الثلاثاء,19 يناير, 2016
صراع الامراطوريات في سوريا

الشاهد_بعد تفكك الدولة العثمانية وانحسار دورها وحدودها أيضًا، وما تلا ذلك الانحسار من تمدد روسي كاسح في العهدين القيصري والسوفيتي، تعود حالة التوثب الروسي ذي النزعة الهستيرية إلى القلق من تنامي صعود تركيا وقوتها الناعمة ونموذجها التنموي الجذاب لشعوب آسيا الوسطى والقوقاز، وهي المنطقة التي تحكمها أنظمة شمولية متكلسة من مخلفات العهد الشيوعي، باتت مهددة جديًّا بالانهيار بفعل فسادها واستبدادها. وتكمن خشية روسيا في أن تشكل تفاعلات الربيع العربي وموقف تركيا منه البيئة الملائمة لتحفيز انطلاق شرارة ربيع آخر في آسيا الوسطى، يطيح بهذه الأنظمة السائرة في فلك الدب الروسي، من هنا يمكن اعتبار تحركات روسيا في المشرق العربي بمثابة إشارات إنذار لتركيا ولشعوب آسيا الوسطى معًا، لتركيا: (نحن هنا ونراقب “أسلمة” تركيا وطموحاتها)، ولشعوب آسيا الوسطى: (لقد ذهبنا بعيدًا إلى سوريا لدعم نظامها القمعي، فكيف بمنطقة نفوذنا).

 

فتاريخ الصراع بين الدولتين يعود لقرون خلت فدائمًا ما كانت لروسيا أطماعها في أراضي الدولة العثمانية وكثيرًا ما تحالفت مع غيرها من الدول لكسر شوكة الدولة العثمانية ومن أهم تلك التحالفات شريكها العتيد إيران، وهذا التحالف تعود بداية تشكيله إلى حقبة الصراع “العثماني – القيصري – الصفوي لذا فإن تواجد روسيا في سوريا ليس من قبيل الصدفة فصراع النفوذ بين الإمبراطورية القيصرية والإمبراطورية العثمانية هي حرب وجود أزليه.

 

هي حرب استباقية لإنقاذ اقتصادها ففي نظر روسيا يضمن التواجد العسكري في سوريا التأثير على مستقبل مشاريع الغاز في المنطقة التي تشكل تهديدًا لمكانة روسيا في سوق الطاقة، ومن بين هذه المشاريع المقلقة: مشروع نقل الغاز القطري إلى تركيا عبر أنابيب تمر بالأراضي السورية، وهو المشروع الذي ستكون له انعكاسات كبيرة على المصالح الاقتصادية الروسية التي تعتمد بقوة على السوق التركية، والأخطر في نظر روسيا يتمثل في وصول الغاز القطري إلى أوروبا عبر تركيا مما من شأنه أن يحرر أوروبا من الابتزاز الروسي المستمر.

 

كما أن التواجد الروسي بسوريا ليس دعمًا للأسد كما يظن البعض إنما قواعد لإعادة أيا صوفيا والقسطنطينية وفق نبوءة لقديس روسي لذا أعلن بوتين أن الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا هي شريكة في الحكم، ويرى أن هناك أفق تعاون عديدة بين الكنيسة والدولة، ويعمل جاهدًا على عودتها إلى الواجهة بعدما اضطهدت خلال الحقبة السوفياتية، لكي يحصل على دعمها له ومن جانبها أعلنت الكنيسة، دعمها قرار موسكو شنّ غارات جوية في سوريا ضد تنظيم “الدولة”، ووصفت هذا التدخل بـ”المعركة المقدسة” وهذا يعنى أننا بصدد حرب عقائدية جديدة صليبية بمساندة صفوية، فتواجد الروسي داعم لنظام طهران الصديق حتى لا يلاقي مصير الصفويين على يد العثمانيين.

 

“فالتفت الحية بالحية فأحكمت حبلاً من السوء مبرما”.

 

تسعى إيران إلى استعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية الكسروية على جماجم العرب والمسلمين، الذين دمروا هذه الإمبراطورية في مطلع السنة السادسة عشر للهجرة النبوية، وشتتوا ملك فارس، بعد أن بلغ ملكهم أقصى الأرض. ولتسويق مشروعها إمبراطوريًّا رفعت إيران شعار مظلومية أهل البيت “رضي الله عنهم” لتستخدم الشيعة مطية لها، وتجعلهم وقودًا لحربها حتى تصل إلى أهدافها، وتحقق مرادها، كما فعل اليهود في تسويق كذبة “محرقة اليهود” لاستقطاب يهود العالم إلى قضيتهم.

 

وبدهاء فارسي استثمرت إيران رغبة أمريكا بدخول المنطقة عسكريًّا، فتخلصت من أخطر عدو لها على حدودها الشرقية، وهي دولة طالبان، ثم اجتهدت بقوة لتساعد أمريكا على احتلال العراق، للتخلص مرة أخرى من عدو خطير آخر على حدودها الغربية ألا وهو “صدام حسين”، لتتخلص إيران بمكر من عدوين لدودين دون أن تطلق رصاصة واحدة، واليوم جاء وقت حليف جديد قديم فعدو عدوي صديقي بوتن وريث العرش القيصري يتحالف من جديد مع ورثة عرش فارس ضد تركيا ممثلة الخلافة العثمانية والمسلمين فالمصالح جمعت بينهم من جديد، الاثنان هدفهم واحد القضاء على مسلمي السنة.

 

من هنا جاء التحالف الصهيوني الأمريكي القيصري الصفوي، في القضاء على الأصولية الإسلامية التي تهدد مشاريع هذا التحالف الشيطاني، لاسترداد إمبراطورية فارس التي لا تتعارض مع قيام الدولة اليهودية، ولا تتصادم مع الحلم القيصري الروسي، ولا تتقاطع مع المشروع الصليبي، ومصالح أمريكا وأطماعها في المنطقة والقضاء على حلم خلافة إسلامية ففي عام 2009 تم نشر ترجمة تقرير شامل للولايات المتحدة للحقب القادمة عنوان “استعادة التوازن” أجراه مركز “صبان للدراسات الاستراتيجية” ومن أهم توصياتهم:

 

إن الخطر الحقيقي المحدق هو من الإسلاميين السنة، أما إيران فلا خطر منها بل ممكن التعاون معها في مكافحة الأصولية الإسلامية”.

 

وبناء عليه أطلقت أمريكا يد إيران في المنطقة وسلمتها الملف بالكامل كشرطي للمنطقة، فهي تحتل العراق وتسعى لتجعل بغداد عاصمة لإمبراطوريتها المنشودة، كما أن إيران هي من تدير المعركة في سوريا ضد المجاهدين لإبقاء نظام الأسد في الحكم حليفها الاستراتيجي، وهي من تدعم الحوثيين في جنوب اليمن، وتسعى للسيطرة عليها لتحاصر السعودية من جهتي اليمن والعراق إضافة إلى دعم شيعة القطيف جنوب السعودية وصولاً لأهم أهدافها الاستراتيجية في هدم الكعبة بيت الله الحرام، والسيطرة على أرض الجزيرة، والانتقام من العرب، والثأر منهم ردًّا على تدمير إمبراطورتيهم وتشتيت ملكهم!

 

إن هذا الخطر المحدق بالأمة لن تستطيع جماعة أو دولة منفردة بالتصدي له، لذا فإن اجتماع الأمة، وتنسيق جهودها في بقاع الصراع، وإدارة المعركة بشكلها الشمولي، سيعطيها مساحة واسعة في الحركة والمناورة، كما أننا لابد أن نتبع نفس سياستهم معنا فعلينا العمل بقوة في دعم الحركات الثورية داخل إيران من الأحواز والبلوش، ونقل جزء من المعركة داخل الشارع الإيراني مستغلين نقمتهم على سياسة الملالي وقمعهم.

 

سيلين ساري



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.