مقالات مختارة

الجمعة,3 يونيو, 2016
صراع الأجيال أم تمرير الآمال ؟

الشاهد_ بينما أنا جالس في مقعدي داخل عربة القطار السريع المتجه من مدينة تور وسط فرنسا إلى العاصمة باريس، قلت في نفسي : ماذا عساي أن أكتب لأصدقائي الساعة، والقطار في أقصى سرعة له، وقد قضيت يوما كاملا في معالجة بيانات مُحوْسبة لحريف طالما انتظر مجيئي لمساعدته على ترحيل بياناته من نظام تشغيل إلى آخر أحدث منه؟؟؟

وأنا أتأمل، استرعى انتباهي أمر هاتفي المحمول، يرتبط بالشبكة حينا ثم ينقطع عنها، يتواصل بالشابكة ثم ينفصل عنها برهة قبل أن تعود إشارة الربط… فتذكرت دروس الهندسة ودوالها الرياضية المعقدة التي تعلمتها قبل سنوات عدة في مدرسة الهندسة، .. وخاصة كيف أن كل هوائي يرسل إشارات إلى مجال محدد يغطيه، وكلما مر الهاتف بمجال يسلم المجال السابق للمجال اللاحق جميع البيانات الخاصة بالهاتف الجوال، وكلما استلم المجال الجديد الأمانة تواصل مع الهاتف وبعث له الإشارة أن عرفتك يا رعاك الله، فلك أن تستخدم خدمتي بسلام وأمان….

فكرت ُ طويلا ثم قلتُ: لو أن جيلنا هذا له أمانة يسلمها للجيل الذي بعده، كما تفعل إشارات هواتفنا بعضها ببعض، فما عسى تكون تلك الأمانة التي نمررها بيننا؟ ما هي البيانات التي يطرحها جيلنا للذي يليه وما وصيته اليه؟ وقبل كل شيئ، كيف العمل من أجل أن يتواصل الجيل القادم مع الجيل الحالي ولا يكون بينهما تلك القطيعة المقيتة التي جعلت البعض يلعن من سبق ويبغض من لحق؟ هل من طريقة كي لا نورّث من يأتي بعدنا القطيعة والانبتات والبغضاء وثقافة الموت ورعب التنكب عن صراط الاستقامة؟؟؟ وكيف السبيل أن نتواصل في حلقات سلسة متدفقة مليئة بالحياة والحب وروعة البناء وغزارة المعاني وطيف الجمال؟

ألا تكون الأنانية هي المرض العضال الذي يؤسس صراع الأجيال ويوقف تسليم الآمال؟؟

ولتجدنهم أحرص الناس على حياة !!!

لا أملك جواباً أهبه للقارئ، لكنني أطرح سؤالا على قارعة التفكير .. عسى أن يكون من يلتقط تلك الإشارات.. أو بعضها…

مع تقدم القطار السريع واقترابه المخيف من محطته النهائية في باريس، تتزايد توافقات هاتفي مع إشارات الأثير المتموج في مداه، وتتكاثر أسئلتي القلقة عما يمكنني أن أمرره لمن بعدي قبل يمررني هادم الملذات إلى برزخ صموت خلف جدار الحياة الصاخبة…

بشير العبيدي