فن - وطني و عربي و سياسي

الخميس,8 أكتوبر, 2015
صحيفة الغارديان: “غول” الفساد في العراق أخطر من “داعش”..!

الشاهد_نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية تقريرا عن انقطاع الكهرباء في العراق، مشيرة إلى أن سبب ذلك هو الفساد، في البلد النفطي، حيث يمكن أن يكون انقطاع الكهرباء في الصيف قضية حياة أو موت.
ونقلت الصحيفة عن مهندس شاب يدعى فارس قوله إن المهندسين “في لعبة لا تنتهي من الإصلاح والتعديل”، بينما كان زميله يلحم عدة أسلاك قديمة في شبكة كهرباء مهترئة، ترجع إلى حقبة صدام حسين.
وأضافت الصحيفة أن الأسلاك المتداخلة بدت مثل “عريشة” متدلية من أعمدة الكهرباء، مشيرة إلى أن معظم هذه الأسلاك ينقل الطاقة من مولدات خاصة تعتبر أفضل من كهرباء “الدولة المتداعية”.
وبعد أكثر من عقد على الاحتلال الأمريكي للبلاد، وأكثر من أربعين مليار دولار استثمرت لاحقا في البلاد، لا زال العراقيون يعيشون في ظل الكهرباء المحدودة، في واحدة من أكبر بلدان العالم من حيث احتياطات النفط، مما يثير سخط معظم السكان هناك.
وقال فارس إن “الناس هنا تحصل على الكهرباء لبضع ساعات فقط كل يوم، وعندما يأتي التيار فعليه ضغط كبير، إذ يوصل الجميع مباشرة ثلاجاتهم ومكيفاتهم، مما يسبب ضغطا كبيرا على الشبكة القديمة، فتذوب الأسلاك”، مضيفا “نحن نعمل في ثلاث ورديات يوميا، بـ24 ساعة، في محاولة لاستنقاذ الشبكة القديمة، ولا نستطيع المجاراة”.
وأشارت الصحيفة إلى أنه عندما تصل درجات الحرارة إلى أكثر من خمسين درجة مئوية في الصيف، فإن الكهرباء قضية حياة أو موت، تثير الناس أكثر من تنظيم الدولة والانقسام الطائفي، إذ خرج الآلاف إلى الشوارع في مظاهرات شاملة، ضاغطة على مراكز المدن لاستنكار الفساد الذي يخترق النظام.
وقالت الصحيفة إن الأشخاص العاديين هم الذين يعانون من هذه الأزمة، بينما تجد النخبة طرقا للبقاء – أو الاستفادة – من هذه المشكلة، إذ توفر “الخطوط الذهبية” الطاقة من مولدات خاصة، لتشغل مكيفات الهواء التي تجعل الحياة محتملة، بينما يترك الباقون في وجه الحرارة الحادة، التي بدأت للتو بالانحسار.
وتابع المهندس فارس بالقول:”عندما نجمع كوتا الكهرباء لمنطقتنا، فنحن نخرج حصة تسمى الخطوط الخاصة”، مضيفا بالقول أن “هذه الخطوط يفترض أن تكون للمشافي والخطوط الطارئة، لكنها تذهب للأشخاص النافذين، 40٪ من كوتا الكهرباء تذهب لما يقارب 5٪ بالمئة من الناس، والباقي يقسم على الـ95٪”.
وبعد أن بدأ الناس بالتظاهر في الشوارع، فإن السلطات توجهت لزيادة الكوتا للأحياء العادية، “لكن في الأسبوعين الماضيين، بدأنا بالقطع مجددا لأن الأشخاص النافذين استطاعوا الحصول على خطوط الامتيازات مجددا”، بحسب فارس، الذي أضاف: “هذا غير عادل، لأن الفقراء هم الذين يجب أن يحصلوا على الخطوط الخاصة فهم لا يستطيعون الحصول على المولدات الخاصة، لكن، هنا في العراق، كل شيء مقلوب، فالأقوياء والجنرالات وحراسهم، وحتى المستشفيات لديها مولدات خاصة، لكنها بدلا من ذلك تأخذ الكهرباء وتبيع الوقود”، بحسب تعبيره.

غياب المحاسبة:

وقالت الصحيفة إنه قبل أربعة أعوام، بدت الأمور واعدة، إذ تم سن قانون يسمح للحكومة بتوقيع عقود مع شركات القطاع الخاص لتحديث الشبكة الكهربائية، إلا أن الصفقات التي وصلت إلى سبعة مليارات دولار انتهت بـ”مهزلة”، إذ ظهر بأن بعض المتعاقدين شركات وهمية، والبعض الآخر غير مؤهلة، مما دفع الوزير للاستقالة، وتم تقديم تقرير برلماني، لم تر نتائجه النور حتى اليوم.
إلى ذلك، قال عضو في البرلمان كان في لجنة الطاقة البرلمانية، لم تذكر الصحيفة اسمه، إنه “في 2011، طالبت بالتقرير ليرسل للمحاكم ويقرأ في البرلمان، لكن نائب رئيس البرلمان الذي انتمى لنفس الكتلة السياسية، بالإضافة للمسؤول الكبير الذي وقع العقود امتنعا، مما أدى لحجبها لثلاث سنوات”.
وأضاف:”لكن هذا بسيط نسبيا، إذ أن الفساد مسؤول عن فقدان ما يقارب 25 بالمئة من المال الذي كنا ننفقه على الكهرباء، وهذا يعني أننا خسرنا 10 مليارات دولار، في حين يكلفنا سوء الإدارة مئات مليارات الدولارات”.
وقدرت وكالة الطاقة الدولية أن العراق يفقد أربعين مليون دولار سنويا، بسبب انقطاعات الكهرباء.
ونقلت الصحيفة عن مهندس آخر، أوضح كيف يعمل نظام الفساد “البيزنطي” داخل نظام الطاقة، قائلا إنه “خلال أيام صدام، كانت الوزارات العراقية تعمل لخدمة دولة واحدة، بينما تعمل كل وزارة الآن لخدمة طائفة أو حزب، وتعاملها كإقطاعيات”.
وأضاف أن “وزارة النفط توقفت عن توفير النفط لوزارة الكهرباء بسبب دين بقيمة أربعة مليارات دولار، إذ تملك وزارة الكهرباء ما يقارب نصف مليار دولار من ديون غير مدفوعة من الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة، بما في ذلك المطار الدولي ووزارة التمويل”.
وأوضح المهندس أن الشكل المعتاد للفساد كان التفاوض مع شركة مشهورة دوليا، ومن ثم، في اللحظة الأخيرة، يحول العقد لمزود صيني، إذ يذهب “الاختلاف بالسعر إلى المدراء والوزير كوسيط”، بحسب المهندس الذي أوضح أن الفساد يتجاوز الوزراء، ليصل إلى المدراء ورؤساء الأقسام، إذ أن الكل لديه حصة.

سلسلة الرشوة:

وبعد الاحتلال الأمريكي، بدا أن البيروقراطية العراقية تحولت من خدمة ديكتاتور واحد، إلى نظام اختلاس بالكامل، إذ أن كل شيء – بدءا من تأمين تأشيرة حج إلى إصدار جواز، ومن تأمين عقود لطباعة كتب المدارس إلى بناء المحطات الكهربائية والمصافي النفطية – تتطلب رشوة أو عمولة، بحسب الصحيفة.
وأوضحت الصحيفة أن ما أسمته “الأيام السهلة للأموال” كانت عندما كان الجيش الأمريكي يدفع لمشاريع غير موجودة، يبدو أنها انتهت، لكن أتى بمكانها طرق جديدة لغسيل الأموال، مضافا إليها هوامش كبيرة من اقتباسات العقود، أو توفير بضائع فاسدة.
ويعتبر فادي من الجيل الجديد من الرياديين الذين ظهروا بعد الاحتلال الأمريكية، فبعد بضعة عقود بسيطة مع الجيش الأمريكي، تطور محله من بيع الحواسيب والطابعات المستخدمة إلى أعمال تستلم عقودا بملايين الدولارات مع عدة مؤسسات حكومية، بما في ذلك وزارة الكهرباء.
وحول نظام الرشوة المستخدم، قال فادي إن “كل وزير، وكل مدير عام لديه مفتاح – عادة يكون ابنا أو ابن أخ يسلمه كل أعماله، ولتبدأ أعمالا مع مؤسسة ما فإن عليك أن تجد المفتاح وتتفاوض معه”، موضحا أن “الحصول على علاقة مع المفتاح تتطلب أموالا، وعدة جولات من الضيافة والهدايا والسفر، بحيث يفكر بك المفتاح يوما عندما يكون هناك عقد ليمنحك إياه”.
لكن هذا غير مفيد دائما، إذ أوضح فادي أن “هناك بعض الوزراء مرتبطون بشركات تنتمي لحزب أو طائفة، وإذا أردت العمل معهم، عليك أن تشتري عقدا من أحد هذه الشركات”.
وثمن العقد يحدد عبر ترتيب مناقصة وجمع تقديرات من شركات دولية محترمة، ومن ثم يتم إلغاء المناقصة، وإعطاء تكلفتها لشركة تم اختيارها مسبقا، إذ يمكنها أن تقدم نفس معايير التسعير الدولية، لكنها تعطي بضائع وخدمات فاسدة.
وكانت الترتيبات السريعة تتم كالتالي: فادي له عقد مع وزارة ما بقيمة 100 مليون دينار عراقي، يجعلونه يوقع العقد بـ130 مليون دينار عراقي، حيث يكون هناك 30 مليون كعمولة، ثم يستثمر بهامش الـ30 بالمائة، ثم عليه أن يجد ما يقارب 10 بالمائة من الرشاوى الذي عليه أن يدفعها لتيسير الأمور.
واعتبرت “الغارديان” أن هذه الهوامش الضخمة يمكن أن تفسر لماذا لم يظهر فائض النفط الضخم لسنوات على العراق، أما الآن ومع انخفاض أسعار النفط، فإن الهوامش تتقلص، بحسب فادي.
وبحسب البرلماني العراقي، فإن الناس لا تدرك أن الفساد في الاقتصاد “أكثر خطرا” من تنظيم الدولة أو المليشيات كلها مجتمعة، “فللمرة الأولى في تاريخ الدول الريعية، يجد الحاكم نفسه غير قادر على الدفع للولاء والخدمات، إذ وجد صدام نفسه في وضع مشابه خلال فترة العقوبات، واستغنى عن الريع بالوحشية”، بحسب قوله.

مناخ الخوف:

وقال مفتش كبير سابق لوزارة الكهرباء، من غرفته المكيفة المزينة: “عندما تعيش في دولة لا يحكمها القانون، فإن الجميع يعيش في خوف دائم”، مضيفا أن”الوزارة جميعها فاسدة، والمفتشون هم طبقة أخرى من هذا الفساد، فهم يبيعون معلوماتك إلى الوزير، ولا يمكنك أن تعمل لأنك خائف من المليشيات، ولا أستطيع مساءلة أي مسؤول كبير لأن مليشيا أو أخرى ستأتي وتنتقم”.
المفتش الذي عمل لثلاثة عقود في الوزارات العراقية، كمحصل رئيسي أو مفتش، قبل أن تتم إزالته بعد أربعة شهور من وصوله لمنصب المفتش العام، لأن وجوده أصبح غير مناسب للإدارة العامة، أضاف أنه “لا توجد سلطة يمكنها إيقاف الفساد في كل الوزارات، وليس الكهرباء وحسب، لأن مكاتب المفتشين أنفسهم تعش بالفساد، بكل طبقة من البيروقراطية، هناك طبقة من الفساد يتم إضافتها”.
واختتمت “الغارديان” تقريرها بقول المفتش إن “الفساد في العراق شيء أشبه بالإله، موجود في كل مكان، ولا يمكنك إثباته، ولا يمكنك نفيه”.