وطني و عربي و سياسي

الأربعاء,30 سبتمبر, 2015
شيوخ المدخلية استوردوا المذهب الحنبلي وسوقوه على أنه الكتاب والسنة

الشاهد _ عزم أبو بكر الصديق رضي الله عنه على جمع القرآن فقال لزيد بن ثابت: “إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن..”، فكان أول ما حمل أبا بكر على اختيار زيد ما اتصف به من أمانة العقل، فالعقل هو أصل الخلال المحمودة؛ إنه لم يصف زيداً بأكثر من العقل وجعله سبباً لائتمانه، والوثوق به. فمن عطَّل العقل وغيّبه فقد ضيع الأمانة التي سيُسأل عنها يوم القيامة.

وإذا كان لكل شيء ضده، فللحرية أضداد متعددة، فالتسلط والاستبداد، والاستغلال، والأغلال والقيود، والحواجز والحدود، والفوضى والاستهتار كلها أضداد للحرية ونقائض لوجودها وممارستها.

وأضداد الحرية هذه ونواقضها قد تصيب الإنسان في جسمه فيُسجن أو يُعذب، أو في حياته فيُقتل ويُعدم، أو في عزته وكرامته فيذل ويُهان، أو في رزقه وماله فيمنع من كسبه أو من حرية التصرف فيه، أو من حرية القول والتعبير، فيمنع من الكلام أو يعاقب إذا تكلم.

غير أنَّ أسوأ نواقض الحرية وأخطرها على الإنسان، هي تلك التي تصيبه في عقله وفكره وعلمه، وخاصة حينما تصبح حرية الفكر وحرية الفهم مكبلة ومعاقة ذاتياً وداخلياً، وبنوع من الاقتناع والارتياح.

ذلك أنَّ الحرية الباطنية – حرية النفس والفكر والضمير – هي التي تضع باقي الحريات، وهي التي تغذيها وتحميها، فإزاحة الغبار والصدأ عن مبدأ أصالة الحرية وفطريتها، هي بمثابة تجديد إيمان الإنسان بنفسه وبحقيقته وبما وهبه خالقه، وإزالة التشكيك والتأرجح هي إنهاء لحالة التكبيل والاعتقال ورفع الآصار عن فكرنا وفقهنا وإبداعنا.

يقول محمد الطاهر بن عاشور: “إن الحرية خاطر غريزي في النفوس البشرية، فيها – الحرية – نماء القوى الإنسانية من تفكير وقول وعمل، وبها تنطلق المواهب العقلية متسابقة في ميادين الابتكار والتدقيق، فلا يحق أن تسام بقيد إلا قيداً يدفع به عن صاحبها ضررا ثابتا أو يجلب به نفعا”.

إذا تمهد هذا، فإنَّ من أعظم السلبيات التي وقع فيها التيار المدخلي هو العجز عن صناعة الرموز، وهذا العجز يمكن ملاحظته من خلال مستويين:

المستوى الأول: العجز عن تقديم الرموز والقيادات تتناسب مع مستوى الاهتمام العلمي الذي تتظاهر بممارسته والتغنّي به.

المستوى الثاني: العجز عن تحويل بعض الطاقات الشبانية داخل التيار إلى رموز للأمة بشكل عام.

إن الخطاب الذي يصدره “شيوخ السلفية” في الجزائر لا يستطيع أن يتوجه إلى عقل بشري يثق بقدرته على التفهم والتعقل والإدراك من دون تجييش عاطفي تعبوي للمخيال الجماعي للعوام، فهو بذلك لا يتصور أنه تجاه “متلق” بشري عاقل مالك لزمام نفسه وعقله، وأنه يمتلك من أمر الولاية على نفسه ما يؤهله للتمييز والتمحيص.

الجالية السعودية بالجزائر

إن عدم إدراك الفوارق بين الأوطان والبيئات، وعدم اعتبار الخُصوصيات الثقافية والتاريخية، أوقع السلفية الجزائرية في المحاكاة المطلقة للسلفية السعودية، من دون مراجعة خصوصيات الفرد الجزائري وتركيبته الاجتماعية والنفسية.

الأمر الذي أدى إلى اختلال ميزان الحكمة، حيث لم تُراع مقتضيات البيئة الجزائرية وطبيعة أدواتها، ففشلت في التكيُّف مع الطبيعة المذهبية للشعب الجزائري.

ولم يقف الأمر عند طلب التماهي مع التقاليد السعودية، بل تجاوزه إلى اتخاذها مقياسًا لصحة ثقافتنا وتديننا، وهذا ما يؤدي إلى حالة من الصدام العنيف واللامتناهي مع بقية أفراد المجتمع.

ولعلَّ أول صخرة اصطدم بها الفكر السلفي في الجزائر هي صخرة المذهبية، فقد كان من أخطائه المنهجية الكبرى الاستهانة بأمر الخصوصيات المذهبية للجزائريين، فأدى ذلك إلى فشل مشروعه الاصطلاحي، خصوصاً أنَّ الشعب الجزائري أقام الأدلة التاريخية على تَصَلُّبِه في جزائريته وإسلامه، وعلى أنَّه ليس من السهل على الأحداث أن تُكيِّفه بغير كيفته التي طبعها عليه دينه ومُقوِّماته.

ومَرَدُّ هذا الفشل في نظري هو أنَّ شيوخ السلفية الجزائريين استوردوا لنا أدبيات وقواعد المذهب الحنبلي وسوقوه لنا على أنَّه الكتاب والسنة، وأنه هو السبيل الوحيد لتصحيح العقائد ومحاربة البدع، وأشاعوا بيننا: أنَّ أقرب المذاهب إلى السنة هو المذهب الحنبلي! وتلقى الأتباع ذلك بنوع من السَذَاجة، دون النَّظر في تلك المقالات ومدى علاقتها بالكتاب والسنة.

وقد بُدعت – بسبب ذلك – الخُلاصات الفقهيّة المالكية بالجملة ومن غير تمييز، وصارت أقوال المالكية باطلة حتى يثبت بصحتها الدليل، بينما أقوالهم صحيحة حتى يُثبت الدليل بطلانها، ولقد كان حَرِياً برواد السلفية بالجزائر أن يدرسوا تاريخ المذهب المالكي لتأصيل مقولاتهم فيه، ومعرفة أهم خصائصه وسماته، فعجباً لمن يتطفل على موائد الغير وعنده الجفنة الرافدة!

وشهد الله أننا لا نقول هذا تعصباً للمذهب المالكي، ولا انتقاصاً للمذهب الحنبلي، ولكنا نقوله بياناً للحق، وترجيحاً للحكمة الواجبة، وقدوتنا في ذلك العلامة الإبراهيمي – رحمه الله – الذي كان من قوله دفاعاً عن مالكيته وجزائريته: “إننا نجتمع مع الوهابيين في الطريق الجامعة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وننكر عليهم غلوَّهم في الحق، كما أنكرنا عليكم غلوَّكم في الباطل”.

ومن قوله أيضاً: “نحن مالكيون برغم أنوفكم، وهم حنبليون برغم أنوفكم، ونحن في الجزائر، وهم في الجزيرة”.

أما شيوخ السلفية عندنا فإنهم يأخذون شبابًا ليس لديهم معرفة دينية سابقة، وحديثي العهد بالصلاة، ويعلمونهم قواعد الفكر الحنبلي، ويهيئونهم لأن يصبحوا طابوراً في الجزائر، فلا يتحدث خطباؤهم عن الشيعة إلا إذا تأزمت علاقة السعودية بإيران، ولا يتطرقون إلى قضية الخروج إلا إذا تعالت أصوات المعارضين للسياسة السعودية، وهكذا..

المدخلية وتهمة التوظيف السياسي

لعلّ من المسائل الرئيسة التي جلبت العداء والاستهجان لهذا التيار هي مسألة الطاعة المطلقة لولاة الأمر، حيث يرى المداخلة حرمة الحديث عن أخطاء الحكام وجناياتهم في حق الإسلام وخيانتهم لقضايا المسلمين وتحالف بعضهم مع الأعداء والمحاربين، في مقابل شنّ حملات التبديع والتصنيف في حق العلماء والدعاة العاملين، ولهذا وصفهم البعض بأنهم “مرجئة مع الحكام، خوارج مع العلماء والدعاة”، بل قد أصبح تصنيفهم للعلماء والشيوخ يعتمد أساسًا على المواقف والفتاوى التي يصدرها هؤلاء ومدى انسجامها مع المواقف الرسمية للدولة.

بالإضافة إلى موقفُهم السلبي المتخاذل إزاء كثير من قضايا الأمة المعاصرة، رضوخًا لخيارات حكام وأمراء الخليج المتناغمة في أكثر الأحيان مع الإملاءات الغربية، ومعاداتهم لجماعات العمل الإسلامي ورفضهم التعاون معها في قضايا الدين والأمة، بل وتحالفهم في كثير من الأحيان مع جهات علمانية رسمية أو غير رسمية ضد بعض الجماعات الإسلامية الأخرى، كما حصل في مصر وليبيا.

والسر في ذلك أنَّ شيوخ المداخلة يرون أنَّ سبب الأزمة الحالية في العالم الإسلامي هي التمرد السياسي وليس الاستبداد السياسي، وأنَّ الحكام لا يجوز محاسبتهم إلا في الآخرة، أما العلماء والدعاة فينبغي تعجيل حسابهم في الدنيا قبل الآخرة.

وإنَّ من الأسباب التي تجذب الأفراد إلى هذا التيار هو عدم اصطدامه مع الدولة، حيث لا يشعر المنخرط في هذا التيار بأيّ تبعات أوملاحقات أمنية، كما لا يشعر أفراده عمومًا بأنهم مهددون في لقمة العيش كما هو الحال مع الحركات الإسلامية المعارضة. فالسلفي المدخلي اليوم يمتلك صكوك البراءة عبر تزكية شيخه من جهة، ولأنه يحمل سلاحًا مهما يتمثل في الفتاوى التي تجعل من طاعة ولي الأمر واجبا شرعياً من جهة أخرى، فمثل هذا “العقل السلفي” هو بحد ذاته “ضمانة” لصاحبه أمام السلطات والأجهزة الأمنية.

وقد لاحظت – كما لاحظ غيري – كيف يتم الاستنجاد برموز هذا التيار في كل مواعيد انتخابية أو حِراك شعبي، لتعلو أصواتهم بتحريم جميع أساليب التظلم والاحتجاج، مع أن قوانين البلاد لا تمنع من ذلك.

ولو أنهم اقتصروا على نصرة مبدئهم في التربية والتصفية لقلنا إنها وجهة يجب احترامها، أما أن يجنحوا إلى توظيف نصوص الطاعة وتشويه منهج السلف لتسويغ ما تصدر الأنظمة من التشريعات والسياسات، فهذا ما نرفضه جملة وتفصيلاً.

وهنا حقيقة قد يكون من المفيد طرحها في هذا المقام، وهي أن أعداء الإسلام – من الداخل والخارج – يحرصون على ضرب الإسلام بكل الطرق، وطعنه بكل سلاح، ثم يُصورون لنا التعارض بين الحلول الإسلامية، فالبعض يقول: لا سبيل إلى التمكين إلا بالتصفية والتربية، ويقول البعص: لا يتم الإصلاح إلا إذا وصلنا إلى السلطة سالكين الوسائل السياسية، كالانتخابات والبرلمان ونحوها، ثم يتقاتل الطرفان وتذهب ريحهم وتنطفئ مصابيحهم.

والصواب: أن الحركة الإسلامية لا بد أن تسلك المسالك المذكورة كلها، فتستعد بالتربية والعلم والتصفية، كما تستعد سياسيا، فتدخل البرلمان، وتخرج في المسيرات، وتعلن الإضراب حتى تثبت وجودها، وتستعد مادياً بإنشاء الشركات والأسهم تحقيقاً للاستقلال المالي، وقطعاً للتبعية المذلة.

من العقيدة إلى القعود

لا يشك المتتبعون أنَّ السلفية في الجزائر عجزت عن كسب ثقة النَّاس وتأييدهم، نظراً لعدم مراعاتها لحاجة البيئة الدعوية، وطبيعة مشكلاتها، بل إنَّ أغلبهم انشغل باسترداد معارك وهمية ليست واقعة ببلادنا أصلا، أو ربما نحن نعاني مما هو أعظم منها، فانخرطوا في إيقاظ فتن ومشاكل هي عندنا بحكم الميتة. وهذا ما جعل منهم أجساماً منفصلة عن الأمة، وأفقدهم الإحساس المرهف بهموم المسلمين ومعاناتهم.

لقد دخل دعاة السلفية في معارك وهمية مع خصوم وهميين، وتركوا العدو الحقيقي يعيث في الأرض فساداً وهم لا يشعرون! فأدى ذلك إلى تعقيد الدِّين والغلو في أحكامه، ثم إلى نفور النَّاس من الإقبال عليه، وعموم النَّاس في بلادنا الجزائر لا يعرف لا الجهمية، ولا المعتزلة، ولا الأشعرية، وإنَّما هم على الفطرة السليمة البسيطة التي جاء بها القرآن الكريم، بلا تعمُّق ولا تكلُّف، ولو سألت أيَّ جزائري بصورة تلقائية: أين الله؟ لأجاب بما أجابت به الجارية حينما سألها صلى الله عليه وسلم: “أين الله؟” فقالت: في السَّماء، فقال صلى الله عليه وسلم لسيِّدها: “اعتقها فإنَّها مؤمنة”، فلماذا لا يعتق هؤلاء النَّاس اليوم ويُحررونهم من الجدل البيزنطي العقيم!؟

نقول لكم: دعوا هذا العامي – كما تسمونه – على فطرته ليتلقى الهداية الدينية على يد أهلها سليمة كفطرته، بيضاء كقلبه، نقية كصدره.

إن الجزائر تعاني اليوم من اهتزاز في منظومة القيم، وأصول الأخلاق الإسلامية، ومن وطأة الفجور التشريعي، وانهيار البرامج التعليمية، ومن ارتجاج الإيمان في قلوب النَّاس، وقد بلغت حالات التنصير في الجزائر ما يقارب الست حالات يوميا.

إنَّ العالم المصلح هو من ينظر في أحوال النَّاس من جهة ما يمسُّهم من السَّراء والضَّراء، ويسعى ما استطاع في كشف الضرَّ عنهم، ولو بعرض أحوالهم على أولي الشأن.

ويحدثنا الكاتبون في تاريخ الأندلس أنَّ العلماء المقيمين في ضواحي قرطبة كانوا يأتون صلاة الجمعة للصلاة مع الخليفة ويطالعونه بأحوال بلدهم، حتى قال أحدهم:

وأتعب إن لم يمنح النَّاس راحة

وغيري إن لم يتعب النَّاس يتعب

وهذا أبو بكر بن العربي قاضي إشبيلية رأى ناحية من سور إشبيلية محتاجة إلى إصلاح ولم يكن في الخزانة مال يقوم بسدادها، ففرض على النَّاس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد الأضحى، فأحضروها وصُرفت أثمانها في إصلاح تلك الناحية المتهدمة.

وكان محمد بن عبد الله بن يحيى الليثي قاضي قرطبة كثيراً ما يخرج إلى الثغور ويتصرف في إصلاح ما وهى منها حتى مات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة.

إنَّ ظهور العلماء في مثل هذه المواقف يغرس لهم في نفوس الأمة وداً واحتراما، ويورثهم في رأي أولي الأمر مقاماً كريماً، أما مشايخ الجرح اليوم، فهم أميل إلى الدعة والراحة، وفتح المكتبات التجارية المربحة، وتسيير السلفية بالهاتف !

الشروق الجزائري



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.