مقالات مختارة

السبت,23 أبريل, 2016
شيء من الذكريات … الباكالوريا و جواربي المثقوبة

الشاهد_ كنت قد تركت الديار تشفّيا و إنتقلت للدراسة بمعهد أبعد عن مقرّ سكني من معاهد ثانويّة أخرى كانت قريبة و أنا في الثالثة ثانوي و لم يكن مطروحا يومها عندي سوى أن أكمل دراستي التي كنت أراني عبرها سأكون ما أريد و سأستبدل جواربي المثقوبة بالكثير من الجوارب الجديدة حتّى أنّي كنت أفكّر في لبس واحدة صباحا و الأخرى عشيّة و سأشتري منزلا فخما قد رسمته في خلوتي بأكثر من شكل و لون و سيّارة من نوع “مرسيدس 220” كتلك التي يمتلكها أستاذ التفكير الإسلامي أمّا عن أقصى حلمي في الوظيفة فكان مديرا لا يتسامح مطلقا مع التلاميذ الذين يرمون الأوراق في الساحة أو الذين يدخنون خلسة و لا مع الأساتذة الذين يمضون جزءا كبيرا من حصّة الدرس متكئين على الشبابيك يتداولون أطراف حديث كان كلّ التلاميذ يتطوّقون لمعرفة موضوعه و لا يصلون إليه.

لم تكن عندي حينها باستثناء أحلامي المستقبليّة التي تؤنس وحدتي سوى جواربي المثقوبة و سروالين من “سوق ليبيا” أمّا عن الدراسة فتأتي في مرحلة ثانية بعد أن أضمن “شانطي يوم الأحد” أعود منه بتسعة دنانير مسرعا لجدّتي و لم تكن علاقتي بمن يدرسون معي جيّدة مطلقا فأنا كنت من أصحاب المعدّلات التي تتجاوز الـ”17″ و هم يصنّفونني من “فئة القرّاية”، و هي فئة مكروهة في ذلك المعهد رغم أن البقيّة أيضا جواربهم مثقوبة، أمّا عن الأساتذة فكانوا يكرهون جلوسي في الطاولة الأخيرة و طريقة حديثي بصوت مرتفع لكنّهم كانوا لطفاء معي إلى درجة أنّني كنت آخر من يشكّون في سرقته لدفتر المناداة عندما يختفي فجأة و الواقع أنّي كنت أكثر من يقوم بإتلافه لأنّ “مدام سعاد” كانت تكرهني و لن تعطيني إذنا بالدخول جرّاء القدوم متأخرا بسبب خدمة سريعة في السوق أكسب منها مصروف يومي.

في نهاية سنة الباكالوريا كنت قد غادرت باكرا بسبب ضرورة الإنتقال إلى مستشفى الحبيب بورقيبة بصفاقس لإصطحاب جدّتي التي كان يجب أن ترقد هناك مدّة شهر و قد كان في آخر السنة الدراسيّة و لم يكتب لجدّتي التي كانت تنتظر أن تزغرد في نجاحي أن تعيش طويلا فبعد الشهر في المستشفى بأسبوعين إنتقلت إلى جوار ربّها، و بسبب ذلك و لإهتمامات أخرى لم يكن مطروحا لدي التحضير للمناظرة سوى ليلة الإمتحان قبل أن أنام بجواربي المثقوبة لأنّني سأستفيق متأخّرا.

آتي صباحا فأتبادل نظرات الحقد و الكره للتلاميذ و التلميذات الذين يجلبهم آباؤهم و أسخر من الذين يعتقدون أنهم بكأس عصير سيكونون أكثر تركيزا و تلك التي تحفظ إلى آخر خطوة لها قبل تجاوز الباب و ذاك الذي يسأل صديقه “زعمة شنوّة باش يطيحلنا”، أمّا عنّي فتفكيري كلّه كان إستبدال جواربي المثقوبة من خلال تحصيل بعض الأموال من وظيفة في السوق أو في إحدى أشغال البناء صيفا.

عكس أغلب التلاميذ الذين إجتازوا معي مناظرة الباكالوريا فلا أذكر أنّ أحدا سألني يوما كيف كان إمتحاني و لا عن موضوع الإمتحان أصلا، و في آخر يوم من المناظرة كنت قد أتممت إتّفاقا مع “بنّاي” على الإنطلاق معه من غداتها عامل بناء و حتّى التسجيل في خدمة الإعلان عن النتئج بالرسائل النصيّة عبر الهاتف كنت من آخر من سجلوا فيه فثمن الرسالة النصيّة يتساوى مع ثمن جوارب جديدة تعوّض تلك المثقوبة التي صارت جزءا من قدمي.

كان يوم الإعلام عبر الرسائل النصيّة الجمعة و كنت قد عدت بعد آذان المغرب بحوالي نصف ساعة بعد إستكمال تقديم العلف للنعجتين و ما كدت أهمّ بجلب جواربي من حبل الغسيل حتّى رنّ الهاتف في جيبي، قرأت الرسالة، واصلت طريقي جلست بجانب حذائي الذي لم يعد يشبه أيّ شيء، وضعت جواربي اليمين على اليمين من الحذاء و اليسار على اليسار من الحذاء و رفعت رأسي فوجدت أمّي داخلة من باب الصور الذي لا يغلق بسبب إهتراء قفله من كثرة المرّات التي خلع فيها فأخبرتها أنّي نجحت في الباكالوريا و أنّي غاضب لأنّي إنتظرة 20/20 في إختيار الرياضيات فنلت فقط 19 و نصف من 20، دمعت عينها و لم يكن بإمكانها أن تزغرد فجدّتي كانت قد توفّيت منذ أيّام قليلة فقط.

منذ ذلك اليوم و أنا أطارد حلمي الذي لا يتحقّق فقد أدركت فيما بعد أن المشكلة لا تتعلّق بالسيارة و المنزل و الوظيفة بل بالجوارب المثقوبة التي كانت نذير شؤم، تماما كذلك القطّ الأسود الذي كانت جدّتي تصيح عند رؤيته من “سوء الطالع”……

الصغير شامخ



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.