مقالات رأي

الخميس,5 نوفمبر, 2015
شمال أفريقيا والشرق الأوسط: آفاق النمو في ظل الأزمات

 الاستاذ بشير الجويني باحث في العلاقات الدولية

الشاهد_يشهد النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حاليا حالة من الركود. ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ معدلنمو إجمالي الناتج المحلي الكلي أقل من 3 % للعام الثالث على التوالي – أو نحو 2.8% لعام 2015. ويجعل انخفاض أسعار النفط والصراعات التي تشهدها منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي آفاق التعافي على الأمد القصير تبدو غير ثابتة.

 

وتشهد كل بلدان المنطقة تقريبا، ماعدا مصر والمغرب وإيران، تباطؤا في معدلات النمو، ولكن لأسباب مختلفة. وتعاني دول مثل مجلس التعاون الخليجي والجزائر من انخفاض أسعار النفط وارتفاع مستويات إنفاق المالية العامة.

 

رغم الإحصائيات التي تشير أن نسبة مساهمة المناجم و المحاجر(النفط والغاز و التعدين) في الناتج المحلي لدول مجلس التعاون الخليجي بلغ 48,7 %.

 

أما الجزائر فرغم صمودها بعض الأشهر فإن عوارض الأزمة كما أشرنا بدأت تظهر بداية من الثلاثي الرابع من 2014 بوصول سعرالبرميل إلى 100,2 مقابل 108,97 سنة 2013 وهو ما تواصل في هذه السنة لتكون نسبة الإنخفاض في حدود 47,2 %

 

وبالتوازي مع ذلك فقد انخفض معدل التصدير ب 4,59 % مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية ليصل حجم العوائد إلى أكثر من 18 مليار دولار مقابل 31’79 مليار دولار في السنة الفارطة بانخفاض يقدر ب أكثر من 40 %.

 

ومن المتوقع أن تسجل اقتصاديات مجلس التعاون الخليجي ككل – البحرين والكويت وسلطنة عمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة- معدل نمو قدره 3.2% في عام 2015 والعام التالي نزولا من 3.9% في العام السابق، حيث ألحق بها انخفاض أسعار النفط ضررا شديدا.

 

رغم محاولاتها انقاذ مناخها المالي باستثمارات أجنبية لعل أهمها المؤتمر الذي سينعقد نهاية السنة بالكويت تحت شعار”الاستثمار الأجنبي المباشر وأثره في الصناعات الخليجية” و الذي يأمل القائمون عليه في جلب الاستثمار الأجنبي المطلوب والذي لا يتمثل في رأس المال النقدي فقط ولكن ايضا في التقنية المتطورة والبحث والتطوير والصناعات المعرفية والتسويق والتنظيم والإدارة المبتكرة في كل المجالات الإنتاجية والخدمية للدفع بالصناعات الخليجية لمستويات تقنية عالية تمكنها من تحقيق درجات تنافسية مقبولة تمكنها من تقوية التشابك العالمي في سلاسل القيمة والطلب.

 

رغم كل هذه المحاولات, تلقَّت مجموعة “البلدان النامية المصدرة للنفط” ضربة مزدوجة نتيجة لانخفاض أسعار النفط وحالة اللاإستقرار التي تشهدها المنطقة حيث شهدت عدة دول منها سوريا وليبيا هبوط إنتاجها من النفط إلى حوالي 40% أو أكثر نتيجة للأضرار المادية التي لحقت بالقطاع و غلق المصافي في الهلال النفطي في ليبيا وتباطؤ الإنتاج نتيجة لذلك. وقد يؤدي تخريب حقول النفط إلى بقاء معدلات نمو إجمالي الناتج المحلي لهذه البلدان منخفضة بما يحول بينها و بين وقف النزيف في مرحلة أولى و المضي في استراتيجيةgo and stop

قد يبلغ معدل نمو البلدان النامية المُصدِّرة للنفط 1.3 % في عام 2015 بعد أن كان 0.9 % قبل عام، فيما يعزى في معظمه إلى احتمال حدوث انتعاش طفيف في ليبيا متأثرا بالأنباء المتواترة عن قرب توصل الفرقاء إلى اتفاق والعراق المتأثر بدخوله في حلف مريح مع دول تضمن له حدا أدنى من استقرار الطلب بقطع النظر عن باقي الشركاء التقليدين.

 

يجدر الإشارة أن الصراعات قد أضرت  بشدة اقتصاديات البلدان المذكورة. حيث يُقدَّر مثلا العدد الإجمالي للذين تشرَّدوا من اليمن وسوريا وليبيا والعراق بنحو 15 مليونا فر كثير منهم إلى بلدان مجاورة مثل و غادر عدد منهم كبير المنطقة بما ينجم عنه من آثار ديمغرافية وخيمة على المناطق الطاردة و المستقبلة على حد السواء.

وبالرغم من توقع أن يبلغ معدل النمو 1.7% هذا العام، فمن المتوقع أن ينمو الاقتصاد الإيراني بوتيرة أسرع بدءا من عام 2016 فصاعدا في أعقاب إبرامها الاتفاق النووي الذي يمثل في تصور الكثيرين نقطة فارقة مما يتوقع أن يؤدي إلى ضخ كمية إضافية من النفط قدرها مليون برميل يوميا في السوق العالمية، ومن ثم إلى هبوط أسعار النفط العالمية إلى حوالي 13 % حسب تقديرات البنك الدولي.

 

وهو ما سيلحق على الأرجح الضرر بمُصدِّري النفط الآخرين أكثر من إيران نظرا لأن الآثار الإيجابية لزيادة إنتاج النفط في إيران قد تفوق الآثار السلبية لتراجع الأسعار العالمية.

 

إذ تشهد ليبيا مثلا عجزا يزيد على 5 % من إجمالي الناتج المحلي وعجزا في ميزان المعاملات الجارية قدره 70% من إجمالي الناتج المحلي. ويتوقع البنك المركزي الليبي أن تواصل إحتياطي ليبيا من النقد الأجنبي الإنخفاض لتصل إلى نحو 50 مليار دولار بالمقارنة مع أكثر من 100 مليار دولار قبل سنتين.

 

أما تونس فبالرغم من استفادتها فقد تضرَّرت من الهجمات الإرهابية و خاصة هجوم متحف باردو، أضف إلى ذلك الآثار الناجمة عن هشاشة الوضع الإقليمي وتباطؤ النمو في منطقة اليورو الشريك الإقتصادي الأول، حيث من المتوقع أن يهبط الناتج المحلي إلى من 2.3% إلى 0.8% في عام 2014نتيجة للهجومين الإرهابيين (باردو وسوسة) والركود الاقتصادي الذي طال أمده في منطقة اليورو.

 

وربما كانت مصر والمغرب البلدين الوحيدين في المنطقة اللذان شهدا تحسن معدلات النمو الاقتصادي في عام 2015 مع أن الظروف غير مواتية خاصة لمصر الذي تشهد احتقانا داخليا قابلا للانفجار في كل لحظة. بينما يبقى المغرب الذي يتركز في معظم اقتصاده على الزراعة (برنامج المغرب الأخضر)  ونموه مرتبط بشكل وثيق  بأحوال المناخ.

 

لكن السؤال الأبرز هنا هو التالي :

 

هل انتهت موجة الانهيار؟

 

ما الذي قد يحدث إذا تواصلت؟

 

 يرى خبراء البنك الدولي أن حدوث مزيد من التراجع في أسعار النفط وتزامن ذلك مع مستويات الإنفاق المرتفعة للمالية العامة، قد يكون إيذانا بمزيد من الصعوبات خاصة مع توقع أن تسجل المملكة العربية السعودية عجزا في المالية العامة قدره نحو 19.5% و12.6% من إجمالي الناتج المحلي في عامي 2015 و2016 وهو ما ينعكس على احتياطها من النقد الأجنبي الذي سينخفض بأكثر من 60 مليار دولار هذا العام و 80 مليار دولار أخرى في عام 2016.

 

وهو ما حدى بعدد من الدول المصدرة للنفط (خاصة بعض دول مجلس التعاون) لأن تعيد النظر في إنفاقها الضخم على الدعم الذي لن يقيها اختلالات الاقتصاد الكلي ستمتد على الأرجح إلى عام 2016 والعام التالي للطابع الرجعي للأزمات.

 

تُعد الاحتياجات الاستثمارية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كبيرة. وقد أدى نقص رؤوس الأموال الأجنبية إلى تفاقم هذا الوضع نظرا لظروف موضوعية في المنطقة و ذاتية متعلقة بالوضع المالي الدولي. لذلك تتوقع تونس وفق خبراء حكوميين تونس زيادة الاستثمارات بمقدار سبع نقاط مئوية إضافية من إجمالي الناتج المحلي خلال السنوات الخمس القادمة. وتحتاج إيران حسب خبراء البنك الدولي ( بعد أن يتم رفع العقوبات عنها) إلى مئات المليارات من الدولارات لتطوير حقولها النفطية وإعادة إنتاج النفط إلى مستويات ما قبل العقوبات.

 

وفي الختام يمكن القول أن المنطقة شهدت منذ اندلاع ثورات الربيع العربي في 2011 – وإن لم يكن بالضرورة بسببها- تباطؤ معدلات نموها الاقتصادي وتصاعد العنف والحروب الأهلية حتى أنها عرفت في الآونة الأخيرة اختلالات كبيرة في إقتصادياتها مما جعل الطين يزداد بلة من حيث انخفاض أسعار النفط.