علوم و تكنولوجيا

الإثنين,6 يونيو, 2016
شركة إماراتية تُنتج رقاقات أقمار التجسس والطائرات المقاتلة… لماذا فضلها البنتاغون على الشركات الأميريكية؟

الشاهد_ قررت وزارة الدفاع الأميركية التعاقد مع شركة إماراتية في أبوظبي لتصنيع أحدث الرقاقات التقنية المستخدمة في أقمار التجسس الصناعية والصواريخ والطائرات المقاتلة الأميركية.

وذكر مسؤول كبير في وزارة الدفاع الأميركية أن البنتاغون اتفق على عقد لمدة 7 سنوات مع شركة Globalfoundries Inc، إحدى أكبر 4 شركات عالمية في تصنيع الرقاقات، وذلك من أجل تزويد وزارة الدفاع والجيش بهذه الرقاقات، ولم يتم الإفصاح عن بنود الاتفاق، وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال في تقريرها الذي نُشر في 5 جوان 2016.

حماية النظم العسكرية

وجاء الاتفاق لينهي أشهراً من الحيرة حول مصدر تزويد هذه الرقاقات، لكنه كذلك الخطوة الأولى ضمن مساعٍ أوسع لحماية النظم العسكرية من الهجمات الإلكترونية والعبث بها.

وكانت شركة Globalfoundries Inc قد استحوذت عام 2015 على معملين من شركة الآلات التجارية العالمية International Business Machines Corp أحدهما في برلينغتون بولاية فيرمونت، والآخر في إيست فيشكل بولاية نيويورك. وكانت شركة IBM المزوّد الوحيد تقريباً للبنتاغون بهذه الرقائق على مدى أكثر من 10 سنوات، بيد أنها دفعت للشركة الإماراتية مبلغ 1.5 مليار دولار كي تأخذ عنها عبء هذه التجارة غير المربحة.

وكان مشرّعون وهيئات رقابية مثل مكتب المساءلة الحكومية قد أبدوا قلقاً من اعتماد البنتاغون على مصدر واحد فقط للحصول على رقائقه العصرية، حيث قالت لجنة الخدمات المسلحة في مجلس النواب في تقرير لها مؤخراً: “نظراً لاتجاهات السوق ولتكاليف التصنيع وعولمة سلاسل المصنعين والمزودين، فإن تعاقد وزارة الدفاع مستقبلاً مع مصادر أميركية في تصنيع الإلكترونيات المتناهية الصغر أمرٌ يكتنفه الغموض وغير مؤكد”.

وتسري الاتفاقية مع الشركة الإماراتية Globalfoundries (التي لم تكن معلنة من قبل) حتى عام 2023، وإلى ذلك الوقت سيستمر البنتاغون في البحث عن المزيد من المصنعين والمزودين والتوسع في حماية هذه الرقائق من العبث أو من الوقوع في أيدي العابثين.

كما يسعى البنتاغون إلى تنويع شبكة مزوّديه وتفادي الاعتماد الكلي على مصنعين أميركيين فقط للرقائق، وذلك بغية مواكبة تغيرات التكنولوجيا التجارية التي تسابق وزارة الدفاع في خطاها.

وقال أندريه غودجر، نائب مساعد وزير الدفاع في شؤون سياسة الصناعة والتصنيع، في مقابلة “إن هدفنا أن نتوسع عالمياً بأنظارنا، فنحن نريد شراء الأحدث والأفضل”.

الحلقة الأضعف

ولطالما رأى البنتاغون في معامل تصنيع وتركيب الرقائق الحلقة الأضعف في سلسلة التجهيزات العسكرية. فالقلق الأكبر كان من سرقة التكنولوجيا ومن دسّ عناصر مفسدة وعابثة قد يُتَحكم بها عن بعد للولوج إلى أنظمة المعدات والتجهيزات والسيطرة عليها عبر أزرار التحكم التي قد تحوّل المعدات إلى كتل حديد ومعدن خردة لا فائدة منها.

عام 2004 أطلق البنتاغون نظام فحص وتدقيق يشمل الآن 70 شركة منها 20 ثقات حسب التسمية الدارجة. لكن المعملين مشددي الحراسة واللذين كانا في السابق تحت إدارة IBM في كل من فيرمونت ونيويورك كانا ينتجان معظم الرقائق المستخدمة في أشد أنظمة الأسلحة حساسية، ما وضع الحكومة تحت رحمة الاعتماد على مزود أميركي وحيد.

آسيا تتفوق

ومع انتقال مركز ثقل صناعة أشباه الموصلات إلى آسيا التي تنتج مئات الملايين من الرقائق لأجهزة المستهلك الإلكترونية فقد بات نفوذ البنتاغون أقل من ذي قبل على الصناعة التي كان هو من مولّها وساهم في تطويرها في الستينيات والسبعينيات.

وفي حين أن ربع الطلب العالمي على الرقائق كان قوامه عسكرياً في أوائل الثمانينيات إلا أن الرقم هبط إلى أقل من 0.1% مع بداية هذا العقد الثاني من الألفية الجديدة، حسب إحصاءات مكتب برنامج الوصول الموثوق Trusted Access Program Office الذي ينسق مشتريات البنتاغون والمؤسسات الاستخباراتية.

ويعتمد الجيش على رقاقات مصنوعة حسب طلبه ومواصفاته الخاصة، لا على الرقاقات المنتجة التي تغمر السوق والمستخدمة في الهواتف الخليوية. على سبيل المثال تحتوي مقاتلة F-35 الجديدة على مئات الرقائق الحديثة (ولا تفصح شركة Lockheed Martin Corp عن عددها بالضبط)، إلا أن إنتاج المعالجات العسكرية الحساسة يتراوح بين بضعة عشرات إلى 1000. هذا بالمقارنة مع عشرات بل ومئات الملايين من أجهزة وإلكترونيات المستهلك.

وقد حول مصنعو الرقائق تركيزهم إلى سوق المستهلك الأوسع، حيث المنافسة تغير معالم التكنولوجيا كل بضعة أشهر أو أسابيع، فيما الرقاقات العسكرية التي لا تتجاوز طلبياتها أعداداً صغيرة قد يتم تجديدها وتطويرها مرة أو مرتين في العام حسب ما يقوله مسؤولو الصناعة.

“البنتاغون” يتخلف

ويقول بيل تشابيل، مدير أحد البرامج في وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة الدفاعية في البنتاغون DARPA: “لقد تخلفنا عن ركب إلكترونياتنا المعتادة وما تحويه”.

ولعل فتح أبواب السوق العسكري أمام المزيد من منتجي الرقائق التجارية المتطورة من شأنه مساعدة البنتاغون على اللحاق بركب التطور التقني، حسب ما يقوله المسؤولون، لكن ذلك سيستدعي طرقاً جديدة لمراقبة هذه الرقائق للتأكد من أنها لا تتعرض للعبث، سواء كان مصدر تصنيعها أميركياً أم أجنبياً.

مثلاً تعمل وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة الدفاعية في البنتاغون DARPA على تطوير جهاز صغير يتعقب الرقائق التي تزرع في المعالجات المصنّعة، ويستخدم جهاز التعقب هذا للكشف عن أي محتوى ضار أو عن أي محاولة للتلاعب بالتقنية.

ويقول تشابيل: “هنالك الكثير من المخاوف والحذر، لكنها فرصة رائعة لفتح الأبواب أمام سلاسل أوسع من المزودين والمصنعين”.

أما غودجر، مسؤول البنتاغون، فقال إن تقنية وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة الدفاعية في البنتاغون DARPA ليست سوى مجال واحد يتم استكشافه حالياً، بينما المشاريع والمجالات الأخرى سرية لا مجال للإفصاح عنها، وتضم التصنيع “الأعمى” الذي يعني أن تقوم الشركات المصنعة للرقاقات بتصنيع أجزاء منفصلة مستقلة يتم تجميعها وتركيبها لاحقاً في مكان آمن سري.

وقد استرعى فحص وتعقب الرقائق اهتمام الصناعات الأخرى بما فيها المرافق والخدمات المالية التي تحاول هي الأخرى التصدي لمخاطر الهجوم الإلكتروني الذي يتزايد تهديده.

المصنعون الأميركيون

وتعمل شركة Globalfoundries الإماراتية على توفير وتأمين احتياجات البنتاغون مباشرة؛ وقد توسعت ونمت هذه الشركة بالاستحواذ على عدة مصانع، كما لديها عمليات هامة في كل من ألمانيا وستغافورة وولاية نيويورك.

بيد أن مجموعة من مصنعي أميركيين للرقائق منهم شركة Cypress Semiconductor Corp يحاولون الضغط على البنتاغون كي يساعدهم في تمويل تطوير معامل التصنيع التي تملكها الشركات الأميركية، وذلك بغية تمكينها من تسلم الأعباء الحساسة من العمل.

ويرى البعض أن أهم إجراءات الحماية والوقاية تظل في الإبقاء على تركيز اهتمام برنامج صناعة الرقائق المعدنية الموثوقة وجعله منصباً فقط على التصنيع المحلي.

ويختم نورتون شوارتز، رئيس أركان سلاح الجو بين عامي 2008 و2012 الرئيس الحالي لمجموعة تجارية صناعية اسمها تنفيذيون تجاريون من أجل الأمن القومي Business Executives for National Security: “على شركة تصنيع الرقاقات تلك أن تكون أميركية”.