أخبــار محلية

الثلاثاء,13 سبتمبر, 2016
شبح الموت يخيّم على “أمّهات” المناطق الداخلية .. في انتظار تحقيق الحلم المنشود : “العدالة الإجتماعية”

ليس أحزَّ على قلب رجل رافق زوجته الحامل إلى مستشفى و نفسه تهفو لحضن “ولي عهده ” الموعود ، من أن يعود أدراجه يجرّ خيبته و على كتفيه نعش رفيقة العمر !

هذا يحدث في تونس “الحداثة” ، تونس 2016 ، تونس ما بعد الثورة بـ5 سنوات و نيف !!

عودة بالزمن سنتين ، و بتوجيه العدسة إلى شرارة الثورة سيدي بوزيد .. سيدي بوزيد التي لم تغنم من الثورة سوى وجع فقد أبنائها-الشهداء .. تم تسجيل 3 حالات وفاة متعاقبة لنساء حوامل على فراش الولادة بالمستشفى الجهوي في ظرف لا يتجاوز الثلاثة أشهر ..

ننتقل بعدستنا إلى الجنوب .. تطاوين ، حيث يفتقر المستشفى الجهوي لطبيب مختصّ بالتوليد و أمراض النساء ! مستشفى بأكمله لا يضم طبيبا واحدا للتوليد ! ..

صبيحة يوم الاثنين 21 ديسمبر 2015 حلت الفاجعة .. سيدة أصيلة الجهة ، في الـ34 من العمر ، توفيت على ولادة بسبب عدم توفر الإطار الطبي بالمستشفى الجهوي ، و هو ما دفع زوجها لنقل زوجته الحامل الى مستشفى مدنين و منه الى مستشفى جربة اين لفظت انفاسها الاخيرة قبل الوصول الى مستشفى الصادق مقدم..

ليس بعيدا عن الجهة .. ننتقل إلى قبلي .. الجمعة 8 جانفي 2016، جدّث حادثة لا تختلف عن سابقاتها ، إذ توفيت امرأة إثر عملية قيصرية بالمستشفى الجهوي بقبلي ، جراء نزيف حاد ..

بالعودة إلى الوسط الغربي ، جدّت مؤخرا بالمستشفى الجهوي بالقصرين حادثة وفاة امرأة في الـ31 من العمر ، يوم الثلاثاء 16 أوت 2016 ، ثلاثة أيام بعد ولادتها ، ما دفع عائلاتها إلى تقديم شكاية اتهمت فيها الإطار الطبي بالإهمال مطالبة بفتح تحقيق في الغرض .

حادثة القصرين كفيلة بإشعال غضب أهالي القصرين ، ما دفع ممثلي المجتمع المدني إلى تنظيم وقفة احتجاجية رفقة حشد من أهالي الجهة ، أمام مقر الإدارة الجهوية للصحة بالولاية ، متبوعة بمسيرة سلمية جابت الشوارع الرئيسية للمدينة وصولا الى المستشفى الجهوي للقصرين ، رافعين شعارات من قبيل : ” كفانا موتا كفانا إهمالا ” “الصحة حق دستوري ” ” لابد من وقف نزيف الموت في المجال الصحي بالقصرين” ، “واقع الصحة بالقصرين واقع مرير ومرّ” .. إلى غير ذلك من الشعارات المليئة بالحسرة و الحزن على وضع الصحة بالجهة … و قال أحد المحتجين في تصريح صحفي أن ” أن تحركاتهم الاحتجاجية ستتواصل الى حين تدخل الأطراف المعنية في الدولة وقيامهم بمراجعة الوضع الصحي بالجهة وتوفير وسائل العمل الضرورية لقسم الولادة الذي يعاني من نقائص جمّة وضمان حق المواطن في خدمات صحية جيدة” .

مطالب ما انفك ينادي بها المحتجون من شتى الجهات المنسية ، متمسكين بحقهم في الصحة /الحياة ألا و هما يمثلان مسؤولية الدولة تجاه شعبها ، في كنف العدالة الإجتماعية بين الجهات ..

إلا أن المناطق الداخلية ظلت المتضرر الأول من الإهمال و التهميش في قطاع الصحة و بالتحديد، فيما يتعلق بقسم الولادة و الأمراض النسائية .

فقد بلغ معدل وفيات الأمهات عند الولادة 67 حالة لكل 100 ألف ساكن بالشمال الغربي مقابل معدل 27.9 حالة لكل 100 ألف ساكن بالشمال الشرقي ، و معدل وطني قدّر بـ44.8 حالة لكل 100 ألف ساكن .

معدل وفيات الأمهات عند الولادة مرتفع أيضا بالوسط الغربي بمعدل 55.9 حالة و بالجنوب الشرقي 56.8 حالة لكل 100 ألف ساكن.

عودة إلى 2014 : الأطباء يرفضون قانون اجبارية العمل في المناطق الداخلية

عادة ما يلقّب الطبيب بـ”ملاك الرحمة ” ، لكن أن يبلغ الحد بـ”طبيب” أن يرفض العمل لمجرد ثلاث سنوات بإحدى المناطق الداخلية ، ليكون سببا غير مباشر في وفاة “إنسان” ، يحيلنا إلى تغيير التسمية إلى “ملاك الموت ” ..

نذكّر بتفاصيل الواقعة ؛ حيث نظّم الأطباء التونسيون مسيرة احتجاجية، من أمام كلية الطب في العاصمة التونسية، وصولاً إلى مقر البرلمان بباردو ، ضد قانون العمل الإجباري بالنسبة لأطباء الاختصاص، الذين يفرض عليهم العمل في المناطق الداخلية، لمدة 3 أعوام كاملة ، تحت إشراف نقابة الأطباء الداخليين والمقيمين و بالتنسيق مع النقابة العامة لأطباء الصحة العمومية والصيادلة وأطباء الأسنان، فضلاً عن عدد من منظمات المجتمع المدني.

 

وزيرة الصحة: “قانون الترويكا كان باش يهلك البلاد”و الهاني يردّ:”القانون كان باش يحد من الأنانية و يعاون محڤوري المناطق المحرومة”

وزيرة الصحة في حكومة الوحدة الوطنية الحالية سميرة مرعي ، كانت ضمن المحتجين على مشروع قانون العمل الإجباري المتعلق بأطباء الإختصاص لمدة 3 سنوات ، و أوضحت الوزيرة موقفها ، مؤخرا ، بأن “القانون الذي عرضه وزير الصحة في حكومة الترويكا عبد الطيف المكي “كان باش يهلك الطب في تونس”.

و أضافت مرعي أن مشروع القانون كان يتعارض مع الدستور وهو ما يفسر معارضتها له، مبيّنة أنّها تمتلك رؤية لتجاوز هذه المعضلة وجعل الأطباء يخيرون العمل في الجهات الداخلية بمحض إرادتهم .

في المقابل، ردّ الإعلامي زياد الهاني على تصريح وزارة الصحة ، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع التواصل الإجتماعي فايسبوك ، قائلا : ” ” عفوا سيدتي الوزيرة٬ قانون طب الاختصاص متاع عبد اللطيف المكي ما كانش باش يهلك الطب٬ بل كان باش يحد من الأنانية ويعاون محڤوري المناطق المحرومة” ، متابعا أن “إسقاط القانون هذا كان جريمة في حق البلاد يتحمّل مسؤوليتها كل من ساهمو فيها٬ بمن فيهم نحن الّي سكتنا عن مضض باش ما نكسروش كلمة الاتحاد!!” ، في إشارة إلى نقابة الأطباء التي تنضوي تحت سقف الإتحاد العام التونسي للشغل .

في الأخير ، العدالة الإجتماعية مثلت إحدى النقاط الأساسية التي قامت عليها ثورة الحرية و الكرامة ، و بعد مضي خمس سنوات و نيف على الثورة المجيدة ، نجد جهات لا تزال تعاني من عدم توفر طبيب !

خمس حكومات تعاقبت على القصبة ، و كل حكومة تأتي نأمل أن تجلب معها الحل في تحقيق العدالة الإجتماعية …
فهل تحققها حكومة الوحدة الوطنية؟