كتّاب

السبت,4 يوليو, 2015
سيناء و”صباع الكفتة”

الشاهد_لم تعد “جبهة سيناء” مجرّد تفصيل عابر، أو تقرير في دُرج جهاز استخباراتي ما. باتت الجبهة التي يحضر فيها تنظيم “ولاية سيناء” أمراً واقعاً، لن ينتهي مع أفول شمس الأربعاء الماضي.

لا بل يُمكن القول إن مصر أضحت الآن في أدقّ مرحلة لها، هي المرحلة الأمنية التي تلي مراحل ثورة، ثم قمعها، فاستغلال بعضهم لها، لتنتهي إلى تحويرها عن مسارها. خصوصية البلاد ستجعل الوضع أقرب إلى ما يجري في سورية والعراق، منه إلى “العشرية السوداء” التي ضربت الجزائر، بين ديسمبر 1991 وفيفري 2002.

مسببات تفجير الوضع في مصر كثيرة، لا تبدأ من القمع الحالي للنظام الحاكم الذي أفشل كل حراك مدني وسياسي، ولا تنتهي من إمكانية إحياء الاشتباكات الطائفية بين المسلمين والأقباط، كالتي حصلت في إمبابة في 7 ماي 2011، كما أن الحدود بين مصر وقطاع غزة من جهة، وبين مصر وجنوب فلسطين المحتلّة حيث الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، تُمهّد لحالة جديدة من النزاع المتشابك، يتخطى النماذج السورية والعراقية والجزائرية.

وعلى الرغم من إعلان الاحتلال الإسرائيلي “دعمه” القوات المصرية في سيناء، فإن ذلك لا يُمكن أن يُفسّر إلا في سياق “إذكاء” نار الخلاف بين المصريين أنفسهم، على اعتبار أن من مهام السياسة الإسرائيلية تجاه مصر تحديداً، “الدفاع عن السلطة الحاكمة في القاهرة”.

وهو أمر اعتاد الإسرائيليون على فعله دائماً، عدا مرتين: مرحلة ما قبل الرئيس أنور السادات (قبل 1978)، ومرحلة الرئيس المعزول محمد مرسي (2012 ـ 2013). وكان الإسرائيلي دائماً عنصر تفجير لا استقرار، مع إبداء رغبته في السيطرة على غزة، المهددة منه ومن “داعش”.

وستُشكّل هذه الأحداث تبدّلات عميقة في الحراك الرسمي المصري، وسيحدّ من الاهتمام الدائم للنظام خارجياً، تحديداً بعد حضور مصر في ملفات ليبيا واليمن وسورية والعراق وحتى روسيا، أمنياً كان أم سياسياً، في صورة لا تعكس حقيقة غياب المشكلات الداخلية للخروج إلى المساهمة في حلّ المشكلات الخارجية.

وستُعيد أحداث سيناء الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الداخل، وستُلزمه على تغيير طريقة تعاطيه مع الأوضاع المستجدّة، فما حدث، على ضخامته وهوله، ليس سوى جرس إنذار أوّلي، يشي بما ينتظر مصر في المرحلة المقبلة.

لا يُمكن لأي نظام عسكرتاري التفكير بحلّ أمني لمشكلة يُمكن علاجها سياسياً. وهو ما لم يرد النظام فعله، أكان في المحاكمات القضائية التي لاحق بها معارضيه، أو في سياق التأجيل المستمرّ للانتخابات البرلمانية، المفترض أن تمهّد لحالة سياسية جديدة في مصر، انطلاقاً من الخضوع لخيارات الشعب، بدلاً من معاكستها.

على النظام الإدراك أن مواجهة الإرهاب لا تعني قمع الأصوات المطالبة بالحرية أو الإنسانية، ولا تعني التضييق على 40 ألف معتقل في السجون أو سجن ثوار ميدان التحرير وإطلاق سراح مرتكبي الجرائم بحقّهم، ولا بإصدار قرارات قضائية جائرة في أحيان كثيرة، ولا حتى الإيحاء للناس بأن “الحلّ المعيشي بات قريباً”.

وإذ كانت أجندة النظام لا تنظر إلى أبعد من إطار “الإمساك بالسلطة”، فإن تنظيماً دموياً يبني سلطته من العراق إلى الجبال التونسية لن يرحمه، وسيعمد، كما يفعل حالياً، إلى النفاذ من كل ثغرة ممكنة، لضرب الأمن الداخلي المصري.

“داعش” لم يعد في بلاد الرافدين وسورية فحسب، بل يعمل على ترسيخ سلطانه في ليبيا وتونس، وأمامه مصر التي بايع فيها “ولاية سيناء”، زعيم “داعش” أبو بكر البغدادي، لتُصبح قناة السويس والسفن العابرة فيها في خطر حقيقي.

ليس بـ “صباع كفتة” يُمكن إخفاء المشكلة.

لا يحتاج الأمر إلى سخرية. مشكلة مصر لا تحتاج إلى واهم يخترع أموراً غير واقعية، بل فقط إلى العودة إلى روحية 25 جانفي 2011.

بيار عقيقي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.