سياسة

الأربعاء,19 أغسطس, 2015
سهام بن سدرين: التصويت لمشروع قانون المصالحة سعيد تكريس النظام الاستبدادي القائم على الفساد

الشاهد_عمليا وبصفة شبه معلنة، يرمي مشروع القانون حول المصالحة الاقتصادية المعروض على أنظار مجلس نواب الشعب إلى تبييض ممارسات الفساد التي سبقت، ومنع هيئة الحقيقة والكرامة من معالجتها وفق قانون العدالة الانتقالية، حيث أن غاياته الحقيقية ليست مجرّد منح عفو لبعض القطعان الشاردة بل تتجاوز ذلك بكثير. هذا، علاوة على التقهقر المتوقع لرتبة بلادنا بخصوص تصديها للفساد ومقاومتها له حيث يعتمد الترتيب العالمي على معايير يناقضها مشروع القانون هذا.

ولو سمحنا لأنفسنا شيئا من الإختزال لقلنا أن هذا المشروع بسطوه على صلاحيات هيئة الحقيقة والكرامة على مختلف المستويات ومحاولة إفراغها من مضمونها، فأنه يسعى منطقيا إلى تحويل الهيئة إلى حائط مبكى. وسوف يؤدي ذلك ليس فقط إلى إفقاد المواطنين لأي أمل للخروج من الأزمة بل وكذلك إلى ضياع فرصة حقيقية لتكريس مفهوم دولة القانون. ولسائل أن يتساءل في هذا الصدد كيف يمكن لمؤسسة رئاسة الجمهورية وهي الضامنة للدستور والحامية له أن تكون السلطة المبادرة لهذا التشريع الجديد الذي يحمل في طياته خرقا واضحا له ؟ لسنا نبالغ حين نشير أن هذه المبادرة قد ضربت عرض الحائط الفصل 148 للدستور الذي حمل الدولة في فقرته التاسعة واجب تطبيق منظومة العدالة الانتقالية في كل ميادينها.

وعلينا أن نذكر هنا بأن العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد كانتا في قلب مطالب التونسيين ومثّلتا محرّكا للحركة الشعبية التي أطاحت برموز الإستبداد وأهدت للبلاد دستور الجمهورية الثانية. وقد تم التأكيد في عدة مناسبات بأن شبح عودة الديكتاتورية لا يمكن مقاومته إلا بتمكين الهيئة من لعب الدور الذي أتى به القانون المؤسس لها والذي بوءها لتكون من أهم قلاع البلاد المنيعة.

وقد دعا البنك الدولي في كل تقاريره المتعلقة بتونس السلطات العمومية إلى ضرورة معالجة مناخ الأعمال غير الصحي وغير الملائم سواء للاستثمار المحلي أو الأجنبي بشكل مستعجل لأنه يحول دون التنافسية ويعيق الاستثمار وخلق مواطن الشغل. حيث يقول البنك في إحدى تقاريره “لن يكون تغيير نموذج التنمية أمرا سهلا بما أنه يتطلب التصدي للمصالح المتغلغلة ومواجهة المقاومة المتأصلة للتغيير. أولا، إن الامتيازات والأرباح المرتبطة بالنظام الحالي قد تغلغلت بشكل عميق وستعترض تلك اللوبيات بقوة لأية تغييرات تؤدي إلى الغاء امتيازاتهم …”.

مشروع القانون بمثابة محاولة سطو على جل مشمولات الهيئة:

 

 

إنه من الصعب الاعتقاد بأن من صاغ هذا المشروع أو من يدافع عليه أو من يستعدّ للتصويت لإقراره، يجهل جميعهم وجود كل هذه التقارير الصادرة من الشركاء الماليين لتونس إضافة للتوصيات المتعلّقة بسبل تجاوز الأزمة الاقتصادية.

إن كل المهام المنوطة بعهدة هيئة الحقيقة والكرامة المضبوطة بقانون العدالة الانتقالية هي محلّ سطو بواسطة القانون المقدّم. ويمثل الفصل 12 أشد الفصول خطورة في هذا المشروع حيث ينصّ صراحة على الغاء “جميع الأحكام المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام الواردة بالقانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها”. وهو ما يعني الغاء ما لا يقلّ عن 16 فصل من القانون الأساسي للعدالة الانتقالية.

تتمثل واحدة من أهم عهدات هيئة الحقيقة والكرامة في كشف حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في ظلّ النظام الاستبدادي. حيث ينص الفصل الرابع من قانون العدالة الانتقالية على إن “الكشف عن الحقيقة هو جملة الوسائل والاجراءات والأبحاث المعتمدة لفك منظومة الاستبداد وذلك بتحديد كل الانتهاكات وضبطها ومعرفة أسبابها وظروفها ومصدرها والملابسات المحيطة بها والنتائج المترتبة عليها”.

فلقد تمحورت الآلة الديكتاتورية في تونس حول الفساد تحديدا، فالنظام السابق لم يتركز على أيديولوجيا عكس بقية الأنظمة التسلطية. حيث لم يكن هدفه إلا تخصيص ثروات الدولة نحو مجموعة معيّنة.
بالنتيجة، سوف لن تتمكن لجنة البحث والتقصي، التي من المفترض أن تتولى معالجة أكثر من 15 ألف ملف، من القيام بمهامها ومعالجة الملفات التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بتصرّف فاسد في طبيعته ومبتغاه واعتباره كفعل انتهاك لحقوق الانسان.

وفيما يتعلق بجبر الضرر والتأهيل، سوف لن تتمكن اللجنة التي تتولى معالجة الانتهاكات العديدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية – انتهاكات فردية أو تتعلق بجهات مهمّشة وخاصة النزاعات حول الأراضي والممتلكات وهي ممارسات شائعة في عهد النظام السابق-، من النفاذ إلى الملفات وفي أحسن الأحوال من اقتراح جبر الضرر المناسب.

في جانب آخر وفيما يتعلق بلجنة التحكيم والمصالحة، أودّ التذكير بأن دور هذه اللجنة يتمثل في تشجيع المستفيدين من أفعال الفساد مهما كان شكل ذلك (استحواذ واختلاس، تهريب للخارج، تهرّب ضريبي والخ) من التقدّم بشكل طوعي بهدف النظر في اجراء التحكيم. ويمثل ذلك أداة محفّزة لتلافي الإجراءات القضائية مع الأشخاص المعنيين. وستعالج هذه اللجنة الملفات حالة بحالة ويمكن لها الحسم في وقت زمني وجيز) وذلك حسب استعداد ممثل الدولة( ولذلك في العهدة الأكثر تضررا بشكل مباشر من مشروع القانون. وللإشارة، لقد تلقت هذه اللجنة إلى حدّ الآن أكثر من 250 ملف. وهو ما يعني وجود عدد من الأشخاص يودّون معالجة ملفاتهم في إطار قانون منصف وفق المعايير الدولية.

فيما تتمثل العهدة الرابعة المستهدفة في الإصلاح المؤسساتي، حيث تتولّى اللجنة المعنية بها صياغة التوصيات الكفيلة بإصلاح مختلف مؤسسات الدولة (الإدارة، الأمن، القضاء، البنوك، الديوانة والخ) بالموازاة مع التدقيق الوظيفي المتعلق بموظفي الدولة وشبههم. وبسبب هذا مشروع القانون، ستكون أعمال هذه اللجنة قابلة للإلغاء.

وأخيرا، يأتي الحديث حول عهدة الحفاظ على الذاكرة. حيث تتولّى اللجنة المختصة العمل على استخلاص العبر من الماضي بهدف ضمان عدم التكرار. وسيكون هذا المجهود مهددا بالنظر للفصل التاسع من مشروع القانون الذي يمنع استعمال المعلومات المصرح بها أو المتحصل عليها في إطار تطبيق هذا القانون لغير الأغراض التي سن من أجلها، ومن ذلك الأدوات الثقافية والبيداغوجية التي تستهدف ضمان عدم تكرار انتهاكات النظام الديكتاتوري وانحرافاته.

وهكذا يتنزل السؤال التالي في ظلّ ما يفترضه مشروع القانون : أي صلاحيات بقيت لهيئة الحقيقة والكرامة إن مُنعت من البحث والتقصي، ومن التحكيم في الملفات المتعلقة بالفساد، ومن اقتراح الإصلاحات اللازمة، ومن الشروع في جبر الضرر، وحتى من صياغة توصيات ونشر تقارير حول نظام نعلم أنه كان مرتبطا بشكل عضوي بالفساد؟

ولا شكّ إن كل هذا يمثل بعضا من أسباب التذمر والإستغراب تجاه المشروع الذي عبّرت عنه فئات واسعة من المجتمع المدني والطبقة السياسية بما يمثله من تهديد لديمقراطيتنا الناشئة. إن أولئك الذين تعوّدوا طيلة عقود التصرّف كما يحلو لهم في المال العام، سوف لن يقبلوا بسهولة التخلي عن امتيازاتهم أو على الأقل الخضوع لمسار محاسبة يستوجب ارجاع الأموال المتحصّل عليها بطرق غير قانونية؟

وفي الحقيقة، المشكل لا يتعلق بمسألة تركيبة الهيئة بزعم إنها مسيسة أو محل تجاذبات. فوفق استبيان التونسيين لمنظومة العدالة الانتقالية، يتبيّن إن 67.2 بالمائة يثقون في الهيئة و81 بالمائة يعتقدون بأن أعضاءها مستقلون ومحايدون. ويشير الاستبيان إلى إن 97.3 بالمائة يرون إن مكافحة الفساد يجب أن تكون من الأهداف الأوليّة لمسار العدالة الانتقالية.

ومن الواضح إن هيئة الحقيقة والكرامة تمثل حاجزا أمام مطلب صك على بياض من أجل عفو مزدوج على أولائك الذين ليست لديهم في حقيقة الأمر أي إرادة للتصالح مع ضحاياهم أو طلب العفو من المجموعة الوطنية التي نهبوها، فهم لا يبحثون إلا على استمرار “مشروع” لجرائمهم ومواصلة إنهاك الدولة بكل غطرسة من ثرواتهم نتاج النهب، كلّ ذلك وهم يرفعون شعار مصالحة مغلوطة. لماذا نحتاج إذن إلى العدالة الانتقالية ان لم تمكننا من إعادة الثقة بشكل دائم بين المواطن ومؤسسات الدولة؟ ويمكن لي القول إذن بأن مشروع القانون المتعلق بالمصالحة الاقتصادية سوف لن يساهم في تكريس الثقة المنشودة وتحقيق المصالحة الوطنية، وذلك بغض النّظرعن النوايا المُعلنة.

 

 

سهام بن سدرين: رئيسة هيئة الحقيقة و الكرامة