أهم المقالات في الشاهد - كتّاب

الخميس,4 فبراير, 2016
سرّاق القيمة ولصوص المعنى..

محمد الحمروني

أحيانا، لا يمكن للمراقب أو المتابع، إلّا أن يندهش ويصاب بالذهول من حجم التخبّط الذي تعانيه بعض “العقول” أو “الشخصيّات الاعتباريّة” إن صحّت العبارة، وبسبب الأعطاب الفكريّة الكبيرة التي تكشف عن نفسها من خلال تصريحات أصحابها. بعض تلك الأعطاب تكشّفت بمناسبة الجدل الذي أثارته وزيرة المرأة بعد اعلانها عن عزمها غلق الروضات القرآنيّة، وما تلا ذلك الاعلان من ردود أفعال، وردود على الردود، كانت في الحقيقة موتورة ومتشنّجة لأبعد الحدود لذلك سقطت في محاذير كثيرة .

محاذير مثل ان يتحدّث أحدهم عن وزارة المرأة وكأنّها ملك خاص أو ورثة ورثها، وهو يصرّفها كما يشاء، ويقرّر لمن يهبها وعلى من يمنعها، وينسى، هو كما ينسى الكثير من أصحاب الفكر المتطرّف والمسكون بهواجس استئصالية لا تخفى عن أحد، أن هناك ثورة وقعت في تونس، وأن الحكم بات بموجب تلك الثورة بيد الشعب هو من يولّي وهو من يعزل.

لن نتوقّف عند الاتهامات التي توجّه إلى هذا أو ذاك، ولا عند الأراجيف والتلفيق الذي يملأ خطاب الكثير من الفاعلين السياسيّين اليوم، ومنها بالمناسبة وفي علاقة بالروضات القرآنيّة، تلك الأراجيف التي دأب البعض على ترديدها عن كون الروضات القرآنية تفرّخ الإرهاب، والحال أن القاصي والداني يعلم أن أكبر متخرّج من هذه الرّوضات لا يتجاوز عمره 10 سنوات. ثم إن الجميع يعلم ويقرّ، وهناك تصريحات رسميّة موثّقة في هذا الشأن، أن الإرهاب متخرّج من مدارسنا وهو نتيجة للسياستنا التربويّة التي انتهجتها بلادنا مذ تسلُّم اليسار الاستئصالي مقاليد وزارة التربية في تسعينات القرن الماضي، وتمكّنه من عدد آخر من مفاصل الدولة سهّلت له تنفيذ سياسة تجفيف منابع التديّن.

لذلك فإنّ من يتحدث عن إعطاء هذه الوزارة أو تلك، لهذه الجهة أو تلك، كي تخرج لنا “ناشئة على كيفها”، كلامه مردود عليه، ونقول له التفت وراءك، وانظر ماذا فعلتم بوزارة المرأة وبالطفولة وبالتعليم وغيرها…

تأمّلوا جيّدا، فلم تتركوا وراءكم إلّا الخراب والتصحّر على كافة المستويات. ورغم ذلك تصرّون على المزيد. انظروا إلى الأجيال من الإرهابيّين التي تربّت على أيديكم وتخرّجت من مدارسكم وهي نتيجة لسياساتكم ورؤاكم الثقافية… هذا ما صنعت أيديكم ألا يكفيكم هذا الخراب.

تأمّلوا جيّدا وضع التعليم، وبالأمس القريب صدر تقرير جديد يؤكّد بؤس جامعاتنا وتخلّفها، حتى باتت خارج التصنيف دوليّا وعربيّا.. وباتت مؤسساتنا التعليميّة تخرج أميّين بشهائد عليا، لا أكثر ولا أقلّ.

تأملوا جيّدا من هي النخب التي تشرف اليوم على عمليّة التربية والتعليم في البلاد، هي نفسها التي كانت تشرف على هذا المجال زمن المخلوع.. تأمّلوا جيّدا من يدّعي أنّه يصنع المعنى ويبني المعرفة، وانظروا إلى حرّاس القيمة، من هم؟ يكفي أن نقوم بجردة سريعة لأسماء عمداء الكلّيّات والجامعات لنعلم من الذي يقوم على هذا الخراب الذي تعيشه بلادنا.

للأسف فإن بعض المجموعات الوظيفيّة، على حدّ تعبير الدكتور عبدالوهّاب المسيري، لا تنزعج لهذا الخراب، بل هي سعيدة به، وهو نتاج سياسات وبرامج، وقع الاشتغال عليها منذ فترة طويلة، هدفها المباشر التصدّي حسب زعمهم لظاهرة التديّن، عبر نشر قيم الانحلال والتفسّخ، وضرب كل القيم النبيلة والجميلة في مجتمعنا. ولكن هذه المجموعات لها أدوار أعمق، وهي إعاقة أي إمكانيّة لنهوض حقيقي لمجتمعاتنا، وأي إمكانيّة لهبّة حضاريّة جديدة أو استعادة أمّتنا لدورها الحضاري.

لذلك سارع هؤلاء إلى إفشال عمليّة الانتقال الديمقراطي ولا يزالون يعملون جاهدين من أجل الانقلاب عليها. وفي هذا السياق تتنزّل كل مؤامراتهم على الثورة وصولا إلى تخطيطهم للانقلاب عليها حتى وإن أدّى الأمر إلى مقتل ما بين 20 ألف أو 30 ألف تونسي.

وهو نفس ما وقع في مصر حيث تحالفت أشباه هذه القوى مع الانقلاب، وباركته، وباركت جرائمه التي ارتكبها بحقّ شعبنا المصري العظيم، ما يعني أن نفس هذه المجموعات اتخذت نفس الموقف، وكأنّما أسندت لها نفس المهام والأدوار في كلّ المنطقة.

في السابق تحالفت هذه المجموعات مع النظام، وسكتت عن جرائمه، وباركت مخطّطاته بل دعمتها، وكانت يده الطولى التي أعانته على كل ما آتاه في حق بلادنا من خراب على جميع الاصعدة، واليوم تريد هذه المجموعات أن تواصل نفس السياسات الكارثية التي أدّت بنا إلى الحضيض والتي انتهت بالبلاد إلى الثورة على المخلوع.

وكان الأجدى بنا، كما قال المسيري، أن نوحّد قوانا، وأن نتعاون على توليد المشروع الحداثي العربي والإسلامي، بدل التركيز على محاولة توليد حداثة على الطريقة الداروينيّة، المنفصلة عن القيمة، وعن المعنى، والمبنيّة على الصراع، والتنافس والتقاتل. حداثة لا ترى في الإنسان إلّا مادّة محضة، منفصلة عن القيمة، وغارقة في شبقيّة وغرائزيّة حيوانيّة لا علاقة لها بالإنسان كمفهوم مفارق للبهيميّة.

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.