أهم المقالات في الشاهد

الإثنين,16 مايو, 2016
سايكس-بيكو بعد 100 سنة…قصة “تفاهم” سري دسّ أكبر حبة حصى مؤلمة بالحذاء العربي

الشاهد_أكبر حبة حصى مؤلمة بالحذاء العربي، هي إسرائيل التي جاء بها إلى المنطقة، وعد مهدت له الطريق اتفاقية غيّرت حياة العرب وخرائط الشرق الأوسط، ولا تزال، وهي “سايكس- بيكو” المفككة بلاد الشام، والتي تمر الاثنين 100 عام على إبرامها سرا في 16 ماي 1916 بين فرنسا وبريطانيا، بمباركة من روسيا القيصرية ببدايات القرن الماضي. ولكن، من هو سايكس ومن هو بيكو؟

 

فرنسوا ماري دينيس جورج- بيكو، محامٍ فرنسي حاصل على بكالوريوس بالحقوق، ودبلوماسي شبيه الملامح والقامة برئيس فرنسا الراحل، الجنرال شارل ديغول، لمن يتأمل بصوره زمن توقيع الاتفاقية. ولد في 21 ديسمبر 1870 بباريس، وفيها توفي في 20 جوان 1951 بعمر 81 سنة، واشتهر إضافة لمشاركته بصنع الاتفاقية بين نوفمبر 1915 حتى مارس 1916 وتوقيعها بعد شهرين، بتمكنه من وضع بعض المشرق العربي تحت مظلة النفوذ الفرنسي والتمهيد للانتداب على سوريا ولبنان.

 

أقام كقنصل لفرنسا بالعاصمة الصينية لسنوات، سبقت تعيينه قنصلاً عاماً في بيروت، قبل وقت قصير من اندلاع الحرب العالمية الأولى، وفيها ألم باللغة العربية، وفيها كرّموه بإطلاق اسمه فيما بعد على شارع لا يزال شهيراً في وسط بيروت، وفقاً لما تلخص “العربية.نت” الوارد بسيرته المتوافرة “أونلاين” لمن يبحث عنها، وفيها أنه ثالث 7 أبناء لأبيه جورج بيكو، فيما الابنة الخامسة هي الجدة الكبرى للرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، الحي للآن وعمره 90 سنة.

 

بعد الاتفاقية تم تعيينه بين 1917 و1919 بمنصب المفوض السامي الفرنسي في سوريا وفلسطين، ثم المفوض السامي لفرنسا في أواخر 1919 ببلغاريا، وحين غادرها تجول كدبلوماسي في عدد من الدول القريبة والبعيدة، إلى درجة وصل معها ليصبح سفيراً لفرنسا لدى الأرجنتين، قبل أن يتقاعد مع من تزوجها، وهي Marie Fouquet أم 3 أبناء أنجبتهم له، وليس بينهم أي حي على الأرض الآن.

 

سايكس، ضحية أعظم هولوكوست وبائي بالتاريخ:

 

أما البريطاني مارك سايكس، فحياته كانت قصيرة، بالكاد وصل عمره فيها إلى 39 سنة، وانتهت مأساوية وبائسة في 16 فيفري 1919 وهو بغرفته في فندق Lotti الموجود للآن بباريس.. قضى ضحية أعظم هولوكوست وبائي بالتاريخ، وهي الإنفلونزا الإسبانية التي زحف فيروسهاH1N1 على معظم العالم بعد الحرب العالمية الأولى، ونال بين 1918 و1919 من 500 مليون إنسان، وفتك بأكثر من 70 مليوناً على الأقل.

 

ومن باريس نقلوا جثمانه في موكب حزين ومهيب، إلى عائلته في مقاطعة “شرق يوكشير” بشمال إنجلترا، وهناك دفنوه بجوار كنيسة بلدة Sledmere وأجمعوا في رثائه أنه ترك على الأرض الكثير من الإنجازات بسنوات قليلة، منها الاتفاقية الشهيرة، إضافة إلى مؤلفات مهمة، كما ترك أرملته Edith Gorst ومعها 6 أبناء صغار، هم من تنشر “العربية.نت” صورة تجمعهم في 1926 بالأم التي توفيت في 1930 وتلاها بالوفاة جميع أبنائها، ممن نجد بموقع اسمه The Peerage المتخصص بعائلات بريطانيا وتسلسلها، أن كلا منهم عوّض عن قصر عمر أبي، ففارق الحياة بعمر مديد.

 

ودفنوه في تابوت من رصاص مرصوص:

 

كان سايكس، الدبلوماسي والرحالة والعسكري، ثرياً ومن أكبر مالكي الأراضي في مقاطعة “شرق يوركشير” ذلك الزمن، وهو اعتل بالإنفلونزا الإسبانية بعد وصوله من سوريا إلى باريس التي كان الوباء قد انتشر فيها.. جاءها ليشارك في 1919 بمفاوضات السلام بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن الفيروس داهمه سريعاً على ما يبدو، ولم يترك له فرصة للخلاص سوى الرحيل عن الدنيا كواحد من ضحاياه.

 

بعدها حين أرادوا في 2007 دراسة الفيروس الذي فتك بأكثر من 50 مليوناً في أوروبا وحدها، سمحت السلطات البريطانية لأطباء بنبش قبره وأخذ عينة من بقاياه لدراستها، لأن سايكس كان ولا يزال مدفوناً في تابوت من رصاص مرصوص.

 

من المعلومات أيضاً عمن شارك بصنع إحدى أشهر الاتفاقيات السرية في التاريخ الحديث، أنه كان ملماً بالعربية والتركية والفرنسية، وألف بتلك اللغات كتباً، أشهرها “دار الإسلام” كما وكتاب “رحلة في الولايات العثمانية” وفق ما قرأت “العربية.نت” مما ذكرته إذاعة BBC بأحد تقاريرها، وفيه قالت إن مؤلفاته “لعبت دوراً كتحليل سياسي وتاريخي واجتماعي وثقافي، برسم السياسة الخارجية لبريطانيا” وفق رأي معدي التقرير.

 

“أود لو أرسم خطاً من عكا إلى كركوك”:

 

أما عن الاتفاقية التي قسّمت “الهلال الخصيب” كما الجبنة بين بريطانيا وفرنسا، وتحديد مناطق نفوذهما فيه، فكانت بمعرفة من روسيا التي كان لها نصيب، والمهم فيها هو أحد الاجتماعات الأخيرة بين الجانبين، يوم 16 ديسمبر 1915 بمقر الحكومة البريطانية، في 10 داوننغ ستريت بلندن، حيث تم عرض مناطق النفوذ في خارطة أصلية، تنشر “العربية.نت” صورتها مع ثانية ملونة إلى جانبها للتوضيح، فنجد أن المناطق الزرقاء نفوذ فرنسي، والحمراء بريطاني، والخضراء روسي.

 

في ذلك الاجتماع المهم قال سايكس: “أود لو أرسم خطاً من حرف E في Acre أي عكا بفلسطين، إلى ثالث حرف K في Karkuk بالعراق”، على حد ما قرأته “العربية.نت” في مواقع كثيرة أتت على الاتفاقية التي فضحت أمرها فيما بعد ثورة الشيوعيين في أكتوبر 1917 بروسيا، وعلم بها العالم كله فيما بعد، وبأن شحطة من قلم سايكس أتمت “التفاهم” والتقسيم السري الجيو- سياسي والعسكري لبلاد الشام من فلسطين حتى العراق، فأصبح الهلال الخصيب طعماً لانتداب فرنسا وبريطانيا.

 

ومهد “التفاهم” الطريق لإصدار “وعد بلفور” في 2 نوفمبر 1917 بإنشاء “وطن قومي لليهود في فلسطين” وبعد شهر من الوعد، أي في 9 ديسمبر ذلك العام، أقبلت قوات بريطانية من مصر، فعبرت سيناء بقيادة الجنرال أدموند أللنبي، ومضت إلى مدينة القدس، واحتلتها بأسرع وأسهل من احتلال النسور لأعشاش العصافير، وبدأت منها انتداباً شمل كل فلسطين، واستمر حتى تاريخ دس الحصى المؤلمة والدامية للآن بالحذاء العربي.

لندن – كمال قبيسي