أهم المقالات في الشاهد

السبت,6 يونيو, 2015
سارق… في يده شمعة !

الشاهد_تمثّل السرقة العلميّة إحدى آفات مجتمع البحث العلمي في الوطن العربي، وهو ما يدلّ على تدنّي الأخلاقيّات المعرفيّة في بلداننا العربيّة بما يسمح للبعض بادّعاء ما ليس لهم، بل وبالمكابرة بإنكار أن يكونوا قد انحدروا إلى مثل تلك الممارسات، مستخدمين آليّة تحقير من يدّعي عليهم تفصيّاً من كلّ مسؤوليّة أخلاقيّة أو جزائيّة.

 

وفي هذا الإطار، فوجئنا بأن يعمد كاتب فلسطيني من مدينة رام الله يدعى زكريّا محمّد إلى ممارسة من قبيل ما أتينا على وصفه تجاه الباحث التونسي د. محمّد الحاج سالم. فقد نشر السيّد زكريّا في سبتمبر 2014 كتاباً بعنوان: “كتاب الميسر والقداح (ديانة مكة في الجاهلية)” صادر عن دار الناشر في رام الله وعمّان.

 

 

 

 

وقد قام السيّد زكريّا في كتابه بالبحث عمّا أسماه “سرّ الميسر”، ومدّعياً كشف طريقة لعبه وفكّ لغز القداح الغُفل فيه والفترة التي كان يُلعب فيها وخاصّة بُعده الديني وعلاقته بديانة العرب في الجاهليّة، وذلك “لأوّل مرّة منذ 13 قرناً حين حرّمه الإسلام” كما جاء في الغلاف الأخير للكتاب !  

 

 

 

 

 

 

وقد شاءت الأقدار أن يقع كتاب زكريّا محمّد في يد الباحث التونسي د. محمّد الحاج سالم الذي سبق له في عام 2009 إنجاز أطروحة دكتوراه حول الميسر ونال الباحث عنها شهادة الدكتوراه بملاحظة مشرّف جدّاً من قبل لجنة علميّة مكوّنة من د. توفيق بن عامر (رئيساً)، د. عليّ الغيضاوي ود. مبروك المنّاعي (عضوين)، د. العادل خضر (مقرّراً)، د. محمّد عجينة (مشرفاً).

 

 

 

 

 

 

قبل أن ينشر بتاريخ 15 مارس 2009 ملخّصاً حول عمله هذا في قرابة 20 صفحة على موقع الأوان الالكتروني. وقد تحوّلت هذه الأطروحة إلى كتاب أصدرته دار المدار الإسلامي ببيروت تحت عنوان “من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلاميّة: قراءة إناسيّة في نشأة الدولة الإسلاميّة الأولى” في 930 صفحة خلال سبتمبر 2014 (أي نفس الشهر الذي صدر فيه كتاب السيّد زكريّا).

 

 

 

 

 

 

وبمراجعة كتاب زكريّا، تبيّن للباحث التونسي أنّه ادّعى كشفاً غير مسبوق، والحال أنّه سبقه إليه غيره، لا من حيث تجلية الغموض على لعبة الميسر الجاهليّة، فهذا أمر متاح ولا يسعنا إلاّ الترحيب بكلّ محاولة في سبيله، بل باستخدامه بعض الاكتشافات التي توصّل إليها د. الحاج سالم بعد جهود مضنية كلّفته عشر سنوات من البحث والتقصّي، ولا يمكن لأيّ باحث الادّعاء بأنّها ممّا يسهل الكشف عنه دون أن يكون ملمّاً بجميع التفاصيل الدقيقة حول موضوع الميسر الجاهلي، وهي التفاصيل التي استغرقت أكثر من 1500 صفحة هي حجم أطروحة د. محمد الحاج سالم قبل أن تخفّف إلى كتاب !

 

لكن المحزن في الأمر، هو أن ينكر السيّد زكريّا اطّلاعه على مقال الحاج سالم بموقع الأوان، بل وأن ينكر معرفته به أصلاً ! فحين تولّى الحاج سالم إعلام السيّد زكريّا بوجوب مراجعة نفسه بخصوص ادّعائه أنّه أوّل من “كشف لغز الميسر”، كانت ردّة فعله سلبيّة جدّاً :

 

 

 

 

 

 

والحال أنّ السيّد زكريّا يذكر في كتابه د. محمّد الحاج سالم بالاسم في ثلاثة مواضع ويشير إلى مقاله على موقع الأوان مصدراً من مصادره:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ويدلّ إنكار السيّد زكريّا معرفته د. محمد الحاج سالم على سوء نيّته من حيث عدم إشارته مطلقاً إلى اطّلاعه عن أيّ من كتاباته حول موضوع الميسر. وهنا تكمن المغالطة وإنكار ما جاء في كتابه من نقولات عن مقال الحاج سالم في موقع الأوان، ناهيك عن نيّة التكسّب المادّي من الموضوع سواء بالإشهار لكتابه على حساب الحقيقة أو بطلبه تعويضات ماديّة !.

ودون الدخول في تفاصيل ردود الفعل المتشنّجة من قبل السيّد زكريّا، نتناول هنا ما يمكنه إثبات اطّلاعه على مقال الحاج سالم (دون ادّعاء اطّلاعه على الأطروحة، وهي متاحة لعموم الباحثين بالمكتبة الوطنيّة التونسيّة ومكتبة كليّة الآداب والفنون والإنسانيّات بمنوبة ويمكن لأيّ زائر الاطّلاع عليها)، ونجمله في ما يلي:

 

يقول زكريّا في الصفحة 31:

لكن السيّد زكريّا يتناسى ما جاء في مقال الحاج سالم بشأن ما أطلق عليه اسم “منظومة التماثل الرمزي” عند عرب الجاهليّة  التي تجعل عوالم السماء والطبيعة والإنسان متداخلة ويؤثّر أحدها في الآخر بحيث أنّ ما يحدث في أحدها سبيله أن يحدث ما يماثله في العالمين الآخرين

 

 

 

 

 فالسيّد زكريّا هنا يستخدم المنظومة التي حاول الحاج سالم بناء عناصرها من خلال تحليل شامل للعقيدة العربيّة الجاهليّة، لكن دون أن يشير إلى ذلك، وكأنّ الأمر معروف منذ القدم ومسلّم به عند جميع دارسي العرب قبل الإسلام. فهل كان السيّد زكريّا مطلّعاً على مقال الحاج سالم ؟

 

بلى، إنّ الأمر لكذلك. فقد قال في الصفحة 85 من كتابه :

 

 

 

 

وهو يقصد هنا د. الحاج سالم إذ يورد إثر ذلك فقرة كاملة من مقال هذا “الباحث التونسي” كما يلي:

 

 

 

 

بل ويواصل السيّد زكريّا الاستشهاد بسبعة أسطر ممّا جاء في مقال الحاج سالم ويشير بين قوسين إلى أنّ مصدره مقال الحاج سالم المنشور على موقع الأوان.

 

 

 

 

بل ويواصل السيّد زكريّا الاستشهاد بسبعة أسطر ممّا جاء في مقال الحاج سالم ويشير بين قوسين إلى أنّ مصدره مقال الحاج سالم المنشور على موقع الأوان.

 

 

 

 

إلاّ أنّه يؤكّد أنّ تلك الفترة هي التي كانت يُلعب فيها الميسر. فلم لم يشر السيّد زكريّا إلى أنّ الحاج سالم هو من أثبت أنّ لعب الميسر كان يتمّ عند الاعتدال الخريفي؟ وما حججه في ذلك إن كان لم يحسب فلكيّاً مواعيد الأنواء ومواعيدها من السنة النوئيّة وما يقابلها بالسنة الشمسيّة كما فعل د. الحاج سالم الذي قضّى خمس سنوات باحثاً في طبيعة التقويم الجاهلي وارتباطه بالديانة النجوميّة الجاهليّة وبمواعيد أسواق العرب وأعيادهم الدينيّة وجملة طقوسهم (العتر، العمرة، النسيء، الحجّ، الخ) بما أهلّه لإنجاز كتاب يستعدّ حاليّاً لنشره تحت بعنوان “الزمن المقدّس بين الجاهليّة والإسلام: قراءة إناسيّة في طقوس الحجّ والعمرة والنسيء” في أكثر من 600 صفحة؟

 

فقد جاء في الصفحة 101 من كتاب السيّد زكريّا :

 

 

 

 

فكيف يتناسى السيّد زكريّا هنا عمل الحاج سالم حول إثبات ما يسمّيه (حوْل الثريّا)، حيث يشير في مقاله على موقع الأوان إلى أنّه

وهذه الفقرة هي جماع تحليل مطوّل للتقاويم المستخدمة عند عرب الجاهليّة، وحسابات فلكيّة دقيقة توصّل فيها د. الحاج سالم إلى إثبات أنّ أساس التقويم الجاهلي هو ما يطلق عليه “التقويم النوئي” القائم على قياس حركة كوكبة الثريّا في محاذاتها للقمر، وأنّه حلّ بذلك لغز النسيء الذي سيحرّمه الإسلام لاحقاً. فأين هذا التدقيق عند باحثنا من كلام السيّد زكريّا المرسل الذي لا يقوم إلاّ على اجتهاد الحاج سالم بخصوص ما يقترح تسميته التقويم النوئي القائم على حول الثريّا، وهو تجديد كامل في الرؤية مدعّم بالشواهد والأدلّة الفلكيّة واستغلّه زكريّا دون أدنى إشارة إلى فضل من أجلاه وبيّن غوامضه ؟

 

وهل د. الحاج سالم مجهول عند زكريّا كي ينكر معرفته في رسالته وينعته بـ:”شخص يدعى محمّد الحاج سالم” والحال أنّه يستشهد بأقواله، بل ويورّط نفسه لا بالتعليق على موضوع يجهله فحسب، وهو موضوع المسير بوصفه إواليّة مانعة لانبثاق نصاب سلطوي مستقلّ عن المجتمع، بل بإيراد عنوان أطروحة الحاج سالم كاملاً مستشهداً بخمسة أسطر كاملة من كلامه حول هذه المسألة، ليورد إثرها أيضاً ستّة أسطر أخرى من مقال الحاج سالم حول فرضيّته القائلة باستبدال الإسلام مؤسّسة الميسر الجاهلي بمؤسّسة الزكاة الإسلاميّة. وهنا يسطو السيّد زكريّا على فرضيّة الحاج سالم ويتبنّاها دون ذكرها ودون إيراد أدلّة أو براهين، فيقول:

 

 

 

 

وقوله “عموماً” في هذه الفقرة يشي بعدم تمكّنه من إثبات هذا الأمر وأنّ اعتماده كان على ما جاء في المقال المنشور على موقع الأوان، لكن دون تجشّم عناء الإشارة إلى صاحب هذا الاستنتاج الخطير وعمله سنوات من أجل إثبات ذلك. كما أنّ قوله “بالطبع” يؤكّد اقتناعه بما ساقه الباحث الحاج سالم من حجج، لكن مع إغفال متعمّد لذكره أو الإشارة إلى المقال الذي استقى منه هذه الفكرة الخطيرة بكون الميسر كان إواليّة لمنع انبثاق دولة مركزيّة عند عرب تهامة ونجد والحجاز في بدايات القرن السابع الميلادي، وهو جوهر أطروحة د. الحاج سالم.

 

وباختصار، فإنّ ما قدّمناه يثبت بما لا يدعو مجالاً للشكّ ما يلي:

 

1 –  اطّلاع السيّد زكريّا على مقال محمّد الحاج سالم حول الميسر الجاهلي على موقع الأوان، إذ أشار إليه في كتابه في ثلاث مناسبات.

 

2 –تعمّد السيّد زكريّا السطو على استنتاجات واجتهادات الحاج سالم في كتابه دون الإحالة عليه أو الاعتراف بأسبقيّته في تقرير تلك الاستنتاجات التي قلبت رؤية الباحثين لمسألة الميسر من حيث هو طقس ديني استمطاري مرتبط بنجوميّة الديانة الجاهليّة وما تستدعيه من اعتماد تقويم نوئي (حول الثريّا)، وهو السبب في تحريم الإسلام النسيء.

 

3 –  إنكار السيّد زكريّا الأمر برمّته حسب ما كتبه على صفحته بالفايسبوك، وتعمّده قلّة الأدب في مخاطبة الحاج سالم، ومطالبته بالاعتذار العلني في صحف عربيّة واسعة الانتشار والتعويض المادّي و”سحبه من ذيله” وجرجرته أمام المحاكم”…

وبناء عليه، وحيث أنّ د. محمّد الحاج سالم يرى تعرّضه إلى سرقة علميّة من جهة ادّعاء السيّد زكريّا كشفاً ليس له وإنكاره معرفة شخصه وإطّلاعه على مقاله بموقع الأوان، وهو ما تكذّبه الشواهد، فإنّ المطلوب ما يلي:

 

– تحديد لجنة علميّة مكوّنه من مثقّفين فلسطيني وتونسي لقراءة كتاب زكريّا وكتاب الحاج سالم، وتحديد الظالم من المظلوم، ويكون تقريرها فيصلاً بين الكاتبين.

 

– الاعتراف بأسبقيّة الحاج سالم في الوصول إلى الاستنتاجات التي بنى عليها السيّد زكريّا بعض مقولات كتابه علناً وفي نفس الصحف والمواقع التي طلب أن ينشر بها الحاج سالم اعتذاره العلني.

 

– سحب كتاب زكريّا من السوق وإيقاف بيعه إلى حين إنهاء اللجنة العلميّة عملها والتصريح بما تراه.

الصغير شامخ