الرئيسية الأولى

الجمعة,15 يوليو, 2016
زيارات الغنوشي الخارجية…”دبلوماسية شعبية” تتخطى العقائد

الشاهد _ في الوقت الذي تنغمس فيه كل الأحزاب التونسية تقريباً في الشأن المحلي، سواء تلك المشاركة في الحوار الوطني الخاص بسعي رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو تلك التي استثنت نفسها من الحوار أو تمّ استثناؤها من قبل الرئيس وحزبه، تواصل قيادة “حركة النهضة” جهودها من أجل إعادة ترتيب علاقاتها الدولية والإقليمية، وذلك تحت عنوان “الدبلوماسية الشعبية”.

في هذا السياق، قام زعيم الحركة الشيخ راشد الغنوشي بثلاث زيارات لكل من فرنسا والسعودية والجزائر، وسط تساؤلات عن السبب والتوقيت. مع العلم أن “النهضة” تشارك في الحكم ولا يبدو أنها تنوي الابتعاد عنه، بالتالي فإن لخطواتها الخارجية مصالح أو أهدافاً محددة.

أما بالنسبة لتوقيت الزيارات فقد جاءت في الوقت المناسب، لأن تونس تمرّ حالياً بظرف صعب، مما جعلها مصدر قلق لدول عدة تربطها مصالح حيوية وعلاقات تاريخية معها. لذلك فإن من مصلحة هذه الدول الاستماع لوجهة نظر طرف أساسي، يشارك فعلياً في صناعة السياسات داخل تونس.

في هذا الصدد، تُعتبر باريس من أكثر العواصم الغربية التي تملك ماضٍ غير مريح مع “النهضة”، علماً أن فرنسا استقبلت سابقاً عدداً كبيراً من اللاجئين السياسيين في صفوف الإسلاميين، عندما كانوا ملاحقين من قبل النظام السابق، ورفضت تسليم أي منهم، على الرغم من محاولات الضغط التي مارستها السلطات التونسية سابقاً، إلا أن ذلك لم يؤثر على العلاقات الوثيقة التي كانت تربط باريس بالرئيس زين العابدين بن علي. وهي العلاقة التي استمرت حتى اللحظات الأخيرة قبل السقوط. وخلال تلك الفترة كان الغنوشي ممنوعاً من دخول التراب الفرنسي، بناءً على اتفاق سري بين نظامي البلدين.

 

كما تعاملت باريس ولا تزال مع الواقع السياسي التونسي، بكثير من الحذر منذ الثورة (2010)، وكانت حكومتها الوحيدة في العالم التي وجّهت تحذيراً مباشراً للحركة، بعد فوزها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وهو الفوز الذي هزّ الفرنسيين وأقنعهم بأن أهم حليف لهم من الناحية الرمزية في دول المغرب العربي، يمكن أن يخرج من دائرة نفوذهم.

وقد تعاملت قيادة “النهضة” بكثير من الهدوء في هذا الشأن، وتجنّبت الوقوع في أزمة سياسية مع أهم دولة حليفة لتونس. وهو سلوك سياسي ذكي أخذته الدبلوماسية الفرنسية بعين الاعتبار، وقامت في ضوء ذلك بتعديل التعامل تجاه الحركة، التي تحوّلت بفضل وزنها الشعبي وقدراتها التنظيمية إلى لاعب أساسي في الساحة التونسية. ولهذا السبب لقي الغنوشي ترحيباً خاصاً من قبل كل الشخصيات التي تحاورت معه، وفي مقدمتها وزير الخارجية جان مارك أيرولت وكذلك رئيس البرلمان جيرار لارشيه.

بناءً عليه، تُعتبر الزيارة الأخيرة للغنوشي محاولة جادة في اتجاه بناء الثقة بين “النهضة” وطيف واسع من الطبقة السياسية الفرنسية، وتكشف أيضاً عن حجم التقارب الذي سُجّل بين فرنسا والإسلام السياسي في نسخته التونسية.

وتأتي الزيارة الأخيرة للغنوشي كمحاولة في اتجاه بناء الثقة، وتكشف أيضاً عن حجم التقارب الذي سُجّل بين الطرفين. لهذا السبب تحديداً أزعجت هذه الزيارة والحفاوة التي لقيها رئيس الحركة جزءاً من أوساط المعارضة العلمانية التونسية، التي تخوّفت من أن تذهب البراغماتية الفرنسية بعيداً، فتتخلى عن أصدقائها مقابل إضفاء المصداقية على الإسلاميين التونسيين.

أما الزيارة الثانية التي فاجأت الكثر، فتخصّ الاستقبال الودي الذي حظي به الغنوشي من قبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، مشاركاً في إحدى ولائم الإفطار بالرياض في شهر رمضان الأخير. والمعروف أن علاقات “النهضة” بالرياض، مرّت بعواصف متعددة، نتيجة “سوء التقدير” من قبل قيادة الحركة في بعض المحطات الصعبة التي مرت بها السعودية، مثل حرب الخليج الثانية (1991)، التي أعقبت غزو العراق للكويت في العام 1990. ثم تكررت الأزمة خلال الأسابيع الأولى التي تَلَت الثورات العربية (مرحلة ما بعد العام 2010)، بعد صدور تصريحات متسرّعة، نتيجة اعتقاد خاطئ بأن سلسلة الانتفاضات الشعبية مرشّحة، كي تتسع دائرتها لتشمل أيضاً الأنظمة الخليجية.

مع العلم أنه عندما مارست “النهضة” الحكم أدركت أهمية العلاقات مع دول الخليج، ورغم الجولة الخليجية السابقة التي قام بها رئيس الحكومة حمادي الجبالي إلى السعودية، إلا أنها لم تثمر سياسياً، ولم تحقق المصالحة التي كانت ترغب فيها الحركة. بعد ذلك تكررت المحاولات من دون أن تسفر عن نتيجة ملموسة، لكن الحفاوة التي تلقاّها الغنوشي تدلّ بوضوح على أن المياه قد بدأت تعود إلى مجاريها بين الطرفين.

في الجزائر، الحالة مختلفة، لأن الصداقة الشخصية التي تربط الغنوشي بالرئيس عبد العزيز بوتقليقة، قديمة وراسخة، وهو ما يفسّر الزيارات المتتالية للعاصمة الجزائرية التي قام بها رئيس “النهضة”، الذي يرى أن العلاقة بالجار الغربي مهمّة جداً لضمان الاستقرار الأمني لتونس ولتجربة الانتقال السياسي.

وفي كل هذه الزيارات هناك ثلاث محاور حرص الغنوشي على إثارتها بشكل صريح أو بطريقة دبلوماسية. أولاً، إن حركة “النهضة” حزب مسؤول، وحريص على تعميق التعاون مع الدول الأساسية التي تربطها بتونس علاقات استراتيجية. فالغنوشي حريص على ترسيخ ثقة الأطراف الدولية في شخصه وفي حركته، وذلك من أجل توفير غطاء إقليمي ودولي للحزب في ظرف عالمي هش وغير مستقر.

المحور الثاني هو التأكيد على أهمية دعم التجربة الانتقالية التونسية ضماناً لاستقرار البلاد، وحتى لا تتحول إلى دولة فاشلة. ذلك لأن مستقبل “النهضة” مرتبط عضوياً بنجاح التحول الديمقراطي في البلاد. أما المحور الثالث فمتعلق بإيصال رسائل لها علاقة بالأوضاع الإقليمية، وفي مقدمتها كل ما من شأنه أن يساعد ليبيا على الخروج من أزمتها. فالغنوشي أصبح منذ استفحال هذه الأزمة مرجعاً مقصوداً من قبل الأطراف الليبية، سواء تلك التي تشترك معه في المرجعية الأيديولوجية، أو غيرها من بقية مكونات الطيف الحزبي.

صلاح الدين الجورشي