مختارات

السبت,27 يونيو, 2015
زعيم غير متفق عليه

الشاهد_أحسن الفنان المخضرم، عادل إمام، عملاً حين تخلى، في السنوات الأخيرة، عن أدوار الدون جوان الوسيم ذي الجاذبية الخطيرة الذي وقعت صريعات هواه حسناوات فاتنات لم يبارحن الثلاثين، لازمه هذا الدور غير المقنع طويلاً إلى أن شارف على الثمانين، فقدم في شهر رمضان الماضي، ولأول مرة، دوراً لاقى قبولاً كبيراً عند المشاهدين، ومنحه فرصة الخروج عن النمط المستهلك نفسه، فأدى شخصية رب الأسرة المحبوب الطيب الحنون الحريص على راحة أبنائه وأحفاده.

وحقق مسلسل “صاحب السعادة” أعلى نسب مشاهدة في حينها، وأعيد بثه على أكثر من فضائية، لما حمله من مضامين إنسانية واجتماعية نبيلة، كالعدالة الاجتماعية والتسامح والمحبة واحترام الآخر، وتأكيد أهمية الأسرة في حياة أيٍّ منا، إضافة إلى إطلالته الذكية على هموم الطبقة المسحوقة في المجتمع المصري.

وكذلك البراعة في سرد الحكاية البسيطة والتركيز على النماذج النسائية الإيجابية غير المبتذلة، عكس ما عهدناه في أعمال إمام التي تناولت فكرة المرأة بأسلوب استفزازي مهين، فطرحتها موضوعاً جنسياً غرائزياً بحتاً.

يعيد الكرة، حالياً، في مسلسل “أستاذ ورئيس قسم” الذي يتناول مرحلة الثورة، يقدم فيه دوراً لأستاذ جامعي يساري، صاحب مبادئ ثابتة، لديه علاقة ملتبسة مع السلطة، يحاول عادل إمام فيه، على ما يبدو، تبييض صفحته إثر تراجع أسهمه، جراء الغضب الجماهيري من مواقفه السياسية المداهنة للطبقة الحاكمة المتعارضة مع وجدان الشارع العربي.

والحق أن عادل إمام أضحكنا كثيراً وطويلاً، وكان لحضوره في زمن مضى سطوة لا تقاوم، ولعله الفنان الأبرز في تاريخ الكوميديا العربية، منذ نجيب الريحاني وعادل خيري وماري منيب، فقد حقق نجومية غير مسبوقة، وتجاوز أستاذه الراحل، فؤاد المهندس، وتفرّد في هذا الفن الذي لا يتقنه أي ممثل، مهما بلغت براعته، ما لم يتمتع بخفة الظل وسرعة البديهة والعفوية أصلاً.

يشهد الجميع بالتاريخ الحافل بالإنجاز لممثلٍ ابتعد عن تخصصه مهندساً زراعياً، ليحصد فيما بعد الثروة والشهرة والنجاح، حيث صارت جمل يرددها في مسرحياته الشهيرة تشيع على الألسن.

وهذه حقيقةٌ لا بد من الإقرار بها، إنصافاً لتاريخ الرجل، وهو الذي بدأ حياته الفنية عصامياً مخلصاً لمشروعه الإبداعي، بعد أن أمضى ردحاً من مسيرته في تأدية دور السنيد اللازم في أفلام زمان، قدم فيها شخصية صديق البطل، التقليدية من حيث الظرف وقلة الوسامة.

ذهب بعضهم إلى أن تجربة الزعيم السينمائية، في مرحلة لاحقة، لم تكن بالأهمية التي حققها على خشبة المسرح، على الرغم من توجهه إلى قضايا ذات طابع سياسي، لا تخلو من وظيفة تنفيسية واضحة، تنسجم مع موقفه صديقاً مقرباً من رأس النظام السابق (إذا افترضنا أن نظام السيسي نظام لاحق)، ما يبرر جرأة الطرح والسقف العالي الممنوح له حينذاك.

مع ذلك، يمكن القول، إنه علق طويلاً في النمط، وظل يؤدي في جميع أفلامه شخصية نمطية واحدة ووحيدة، لا تتغير، مستخدماً الأدوات التعبيرية نفسها، وقد فقدت قدرتها على الإدهاش منذ وقت طويل، حتى يخيل إليك أن سيناريوهات هذه الأعمال السينمائية فصلت وفق مقاس هذه الشخصية، وليس العكس، كما ينبغي في العمل الفني الذي يحترم ذكاء المتلقي وحساسيته.

في انطباعٍ أولي عن مسلسل “أستاذ ورئيس قسم”، يبدو أن هناك جهوداً إنتاجية ضخمة وإخراجاً رشيقاً متمكناً وسيناريو متماسكاً (حتى كتابة هذه السطور) يحاول تقديم صورة بانورامية لحالة الشارع المصري في تلك المرحلة الحرجة، مع التمسك، بحسب مواصفات الدراما المصرية الكلاسيكية، بصورة البطل الحكيم الذي لا يخطئ.

ليس واضحاً أين سوف تمضي بنا الأحداث مع الأستاذ رئيس القسم. كلنا أمل أن لا يقع النجم اللامع في التهريج والكباريهات السياسية، وأن يبقى الزعيم الإشكالي غير المتفق عليه لجماهير عريضة، عشقته ذات مدرسة مشاغبين من خيبات جديدة، تضاف إلى سجل بات حاشداً بالأخطاء الفادحة.

بسمة النسور



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.