عالمي عربي - فن

الأربعاء,29 يوليو, 2015
زحف الجزائريين على تونس

الشاهد_سوف يأتون… نعم سوف يأتون ويزحفون على تونس بالالاف وحتى بالملايين مثلما توقعت ونشرت ذلك أكثر من صحيفة محلية تونسية. ولن يثنيهم أو يحول دون قدومهم اي حدث عابر أو طارئ.

فالجارة الصغرى تظل بالنهاية ملاذهم الاول والاخير في عطلات الصيف. ولأجل ذلك سوف يغلقون عيونهم ويصمون آذانهم عما يكتبه المدونون في الفيسبوك او يغرده المغردون على تويتر، ولن يستمعوا مطلقا لما تقوله نشرات الاخبار عن إحباط مخططات اغتيال او تفجيرات او الكشف عن اسلحة او خلايا نائمة او سيارات مفخخة، ولن يهتموا كذلك لما تردده محطات الاذاعة والصحف المحلية التونسية من أن البلد بات على شفا هاوية وكف عفريت.

كل ذلك لن يعنيهم أو يؤثر على قرارهم بالقدوم. أليسوا اخواننا وأقرب الجيران إلينا؟ وأليس هذا هو وقت الاختبار الاصعب والأهم لصدقية ومتانة أخوتهم؟ واذا لم يمدوا الينا يد العون والمساعدة الآن ونحن في قلب المحنة والأزمة فمتى سيفعلون ذلك إذن؟

إنها حمى الهواجس التي استبدت بالكثيرين، وجلبت معها سيلا جارفا من التأكيدات والتطمينات من أكثر من جانب، وكأن تونس لا تصدق ان المليون جزائري الذين يقصدونها سنويا ويمثلون طوق النجاة لاقتصادها الجانح والمنكوب لن ينكثوا عهودهم هذا العام ويغيروا وجهاتهم نحو بلدان اخرى اكثر جذبا واغراء.

لقد صار هؤلاء الوافدون المرتقبون من بلد الغاز والبترول والمحملون بما خف وزنه وغلا ثمنه من الدولارات، بمثابة المنقذ الاكثر قربا وجهوزية لانتشال سياحة توشك على الانهيار التام، بفعل الضربة البحرية الموجعة التي تلقتها في سوسة منتصف الشهر الماضي.

ولاجل ذلك فكل الوسائل باتت ممكنة ومشروعة لاغرائهم بالسير في الاتجاه المعاكس، الذي اختاره معظم الاوروبيين التقليديين وهو إلغاء أو تأجيل رحلاتهم إلى تونس حتى إشعار لاحق. وها هي الإشارات الرمزية نحوهم تتالى وتتنوع، فبعد أن قصد وزير المالية منفذا بريا مع الجزائر ليطمئن بنفسه على ظروف استقبالهم، نقلت الأنباء خبر تحول محافظ جندوبة إلى المعبر ذاته بعد ايام لتوزيع الهدايا على القادمين والترحيب بهم.

أما الفنادق فقد جددت عروضها بتقديم تنزيلات جديدة في الأسعار، بل تردد أن البعض منها قد شمل الجزائريين بالخصومات المعلنة ذاتها لفائدة النزلاء التونسيين.

ما الذي بقي فعله بعد ذلك إذن؟ مزيد من الأمن، يجيب مسؤول بإحدى وكالات الأسفار بالجزائر، قبل أن يضيف في مقابلة نشرتها صحيفة «الشروق» الجزائرية بأنه «مهما كانت نزعة التعاطف والتضامن قوية بين الشعبين التونسي والجزائري تبقى تلك الشعارات مجرد كلام لا غير، لان من يقصد تونس بحسب آخر الاحصائيات هم عائلات وازواج جدد، ومستحيل أن يخاطر هؤلاء بانفسهم وأولادهم لمجرد قضاء عطلة»، فالواقع يقول حسبما يضيفه المتحدث بأن «الوضع في تونس غير آمن، وكما هو معلوم فإن أهم مقياس لاختيار الوجهة السياحية هو الأمن والأمان، وحتى لو توفرت العروض المغرية وارقى هياكل الاستقبال، فإن الكثير من الجزائريين غيروا وجهتهم نحو تركيا أو شرم الشيخ».

أين التضامن والاخوة والمودة اذن؟ لقد ذهبت كلها ادراج الريح، ولم تصمد أمام عاصفة الارهاب تماما مثلما تلاشت وتبخرت كلمات الثناء والاطراء على الديمقراطية العربية الفريدة عند اول اختبار عملي أوقع ضحايا غربيين. وهنا لم يعد هناك فرق بين البريطانيين الذين حزموا امتعتهم وغادروا والجزائريين الذين غيروا وجهاتهم تحت مبرر الخوف من وقوع اعتداءات وهجمات ارهابية في تونس.

لقد قال الاصدقاء ألا معنى للصداقة والديمقراطية بدون أمن رعاياهم، وردد الاشقاء ألا قيمة للاخوة والجوار متى كان الخطر محدقا بحياتهم. ويبدو أن المأزق الذي تواجهه تونس الان هو في انجرافها بقوة إلى حرب لم تكن جاهزة أو مستعدة ابدا لتحمل اعبائها وتكاليفها، أو حتى توقع المدى الزمني الذي سوف تستغرقه قبل أن تضع اوزارها بشكل تام ونهائي.

لقد كانت تتصور أو تحلم بأن حربها هي معركة كونية للدفاع عن آخر قلاع الديمقراطية العربية، وأن الشرق والغرب على السواء سوف يهب لنجدتها والوقوف معها في تلك الحرب، ولكنها لم تجن حتى الان سوى الدعوات والاشادات البراقة التي لا تغني أو تسمن من جوع.

ولعل الظهور الاخير لوزير الاستثمار التونسي على شاشة «بي بي سي» يعكس جزءا من تلك المتناقضات. فقد اختار أن يعيد بنبرة صارمة ما ظل يقوله المسؤولون التونسيون باستمرار من أن» تونس في حالة حرب مع الإرهاب»، لكن المذيع قاطعه بسؤال مفاجئ وغير متوقع وقال له ببساطة وبدون لف ولا دوران، «إذا كانت بلادكم في حالة حرب فلماذا تدعون السياح إليها إذن؟». وهنا صدم الوزير واكتفى بالرد بان «الحرب التي تخوضها تونس ليست تقليدية ولا دائمة.

نزار بولحية