كتّاب

الثلاثاء,19 أبريل, 2016
«روح لقاء باريس» تنتعش ضد مشاريع الفتنة :الغنوشي يدعو إلى عفو وطني عام بعد لقائه السبسي

وسط انشغال جزء كبير من النخبة السياسية بـ«السياسة الصغيرة» صنع رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الحدث يوم اوّل أمس، مباشرة إثر لقائه مع رئيس الدولة، بدعوته لعفو وطني عام وطي صفحة الماضي مع احداث صندوق لجبر ضحايا الاستبداد، تثبيتا لمبدإ كشف الانتهاكات وتجريمها دون الزج بالبلاد في دوامة الانقسام.

 

خالد حداد (الشروق)

 

لقد خاضت تونس منذ انهيار النظام السابق تجربة مريرة من الصراعات ظهرت معها طبقة جديدة من الضحايا اي حكّام الامس الذين تحولوا الى ممنوعين من السفر ومساجين أو مهددين بالسجن ومنفيين محرومين من ابسط الحقوق.

 

سنوات مرت بسرعة البرق وضحايا الاستبداد ينتظرون طَي صفحة ماض جاثم على الصدور، والتونسيون عموما ينتظرون أن تنتهي هذه الحلقة المفرغة التي هدرت الطاقات والامكانيات وفتحت المجال لقوى «الثورجة والتحريض» لتعود للمشهد من جديد بعد أن لفظتها صناديق الانتخاب.

 

الغنوشي الذي تربّى على سيرة النبي الاكرم صلّى اللّه عليه وسلّم في العفو والصلح، المسكون بنموذج مانديلا الذي أخرج بلاده من ظلام الفرقة والانقسام لنور الوحدة، ودفن الاحقاد مع أعداء الامس لتتحوّل جنوب افريقيا في سنوات قليلة الى قوة إقليمية بعد أن كانت مجرد نظام عنصري منبوذ، يدرك اكثر من غيره أنّ تونس تسير بسرعة نحو منطقة اهتزاز وقلاقل وانه لا سبيل لقطع الطريق على الباحثين عن العودة الى مربع الاحتقان الا بمبادرة سياسية ضخمة في مستوى الحدث وفي مستوى ما يتمتع به من ثقل سياسي داخل حزبه وفي المستوى الوطني.

 

بعد ايام قليلة من محاولة «انقلاب برلماني» استخدم فيها حزب آفاق تونس كمخلب قط كما يرى الملاحظون في لعبة سياسية تهدف الى ترتيب مرحلة ما بعد الباجي قائد السبسي، ومحاولة عزل النهضة وبناء تحالف «يساري» ضخم، سارع الغنوشي الى لقاء رئيس الجمهورية في إطار سنة التشاور بينهما منذ لقاء باريس ليبعث برسائل في عديد الاتجاهات تقويها دعوته الى طيّ صفحة الماضي:
ـ رسالة أولى الى المراهنين على المناورات السياسوية ضيقة الأفق بأن المرحلة الراهنة ليست مرحلة «التكمبين» بل السياسات الكبيرة الاستشرافية التي تغلب مصلحة تونس.

 

ـ رسالة ثانية في اتجاه الدساترة والقوى المتضررة من انهيار النظام السابق بأنّ الثورة في مفهوم الغنوشي والسبسي ليست ثأرا وانتقاما وليست كذلك مهادنة وصفقات تحت الطاولة بل شجاعة سياسية في اتخاذ المواقف الصعبة التي فشلت التجارب الاخرى فيها وعلى رأسها المصالحة الوطنية. الكرة الان في ملعب الدساترة وهل يريدون شراكة سياسية حقيقية ام ان يبقوا حطبا في معارك الآخرين؟

 

ـ رسالة ثالثة الى الداخل النهضوي بأنّ الغنوشي معني الآن لا برئاسة النهضة بل بقيادة حزبه نحو مرحلة جديدة يطوي فيها نهائيا صفحة المرحلة الاحتجاجية وتجربة الحكم الصعبة، ليكون في طليعة القوى الوسطية التي تثبت خط التوافق.

 

ـ رسالة رابعة الى ضحايا الاستبداد بانه لن يضيع حقوقهم التي لا تعني فقط حصولهم على التعويضات بل اعتراف الدولة بأخطائها وكشف الحقائق دون أن يؤدي ذلك الى تضييع المزيد من الوقت في السجالات الفارغة.

 

ـ رسالة خامسة وأساسية الى الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية والصديق الذي شاركه ملحمة التوافق، بأن لقاء باريس يبقى الإطار الأوحد لإنقاذ التجربة التونسية وأنّ محاولة الوقيعة بين الرجلين او استغلال احدهما ضد الاخر خيار فاشل. فالثقة المتبادلة بينهما وحرص الغنوشي على توفير الدعم الكامل لرئيس الجمهورية أثبتا نجاعة فائقة في احباط مساعي التشكيك والاستهداف التي يتعرض لها الطرفان منذ اختارا طَي صفحة النزاع بين حزبيهما.

 

بدعوته لطي صفحة الماضي وتفعيل مبدإ العفو الوطني العام قطع رئيس حركة النهضة بحركته وبتونس خطوة جبارة على خطى تجربة جنوب افريقيا، ساحبا البساط بذلك من تحت اقدام المراهنين على الفتنة والذين اثبتت الأحداث أنهم لا يستفيدون الا من الأزمات والصراعات والاوضاع المتعفّنة، وأنهم يستخدمون ملفات الماضي ذريعة لتعكير الأجواء بما يساعدهم على احتلال المنابر الإعلامية وتحريك جزء من شارع لم يعد ينتظر من نخبته الا المبادرات الشجاعة والقوية التي تدفع البلاد نحو الأفضل بعيدا عن الصراعات والتجاذبات.

 

دعوة جاءت من بهو قصر قرطاج، بما في ذلك من دلالات ومعان، فهل تنتقل بلادنا الى مرحلة المصالحة والعفو الوطني العام وتنصرف نخبتها الى تنفيذ استحقاقات الثورة الاقتصادية والاجتماعية؟.. فرصة جديدة ستبقى محتاجة الى الكثير من أصحاب النوايا الصادقة والمسكونين بروح المسؤولية الوطنية والتاريخية.