مقالات مختارة

الثلاثاء,7 يونيو, 2016
رمضان والدي الفلاّح، و رمضان بورقيبة الرئيس

الشاهد_مازالت ذاكرتي تحفل بذكريات رمضان سنوات نهاية السبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي، بمنطقة المزارة، أحد أرياف سيدي بوزيد…. كنت زمنذاك تلميذا في الابتدائي.. أذكر رمضان زمن الصيف… زمن الحصاد… كان والدي يخرج صحبة أمي مباشرة اثر السحور، لحصاد قمح وشعير ضيعتنا الصغيرة، ويعودان مع منتصف النهار… حيث حرارة الشمس على أشدّها… كان ينام مباشرة على القاعة دونما فراش، بحثا عن قليل من البرد.. وكان يطلب مني أن أسكب كلما مرة، بعض الماء على ساقيه… عند المساء مع اقتراب آذان المغرب، كان يذهب الى أحد دكاكين القرية ليشتري لنا قارورة “فانتا”، ويلفّها بقماش ويربطها بحبل ويقوم بانزالها الى قاع ماجل الماء لتبرد قليلا (لم يكن ثمة ثلاجات زمنها في ريفنا المفقّر)… قبيل الآذان كنا نتمتع بما يبثه الراديو وما أدراك ما الردايو زمنذاك، إبتهالات ما قبل الأفطار والآذان، “مولاي إنّي ببابك قد بسطت يدي، من لي ألوذ به الّاك يا سندي”، و “بوركت يا رمضان بالصّفو والخير” …. كانت مهمّتي ابلاغ والدي باشغال النار في أعلى صومعة جامع “سيدي مسعود بوبكر”، ايذانا بالافطار…. (افطارنا يوميا، كسرة قمح مخمّرة وشربة شعير بالدجاج العربي (“البلَدي” بلهجة أشقائنا في المشرق).


كنا نسهر مع منوعة “شناب” (عز الدين بريكة) وحكايات العروي…

– “مع منتصف النهار باحدى جنان الماجدة، جلس بورقيبة على الأريكة العريضة الوسطى أمام نافذة الحديقة وجلس وزراؤه على الأرائك المبثوثة من حوله.. طاف النادل بطبق السلاطة التونسية .. وضع الرئيس الشوكة جانبا وأقبل على مدير ديوانه يسأله:


+ أنت صائم؟؟،


– نعم سيدي الرئيس..


+ أنا أحبّ من أعضادي الالتزام بما أصدره من توجيهات، وأنتظر منهم الانضباط مع سياسة الدولة والحزب..


– لا أحسب أن لك علي ما تؤاخذني به سيدي الرئيس من قلة الالتزام بتعليماتك…


+ وما صومك اذن؟؟؟


– صومي قضية شخصية لا يؤثر على انخراطي في معركة التنمية…


+ أنت من أقرب أعضادي في الحكومة، وصومك بين الناس تضربه مثلا فاسدا شاهدا على قلة انسجام الأعضاد من حولي وعلى الاختلال في هيبة الدولة…


– انك تعلم يا سيدي الرئيس، أني من قرية ساحلية محافظة، أهلها أشدّاء في أمور الدين،، باسمه خاضوا معركة الكفاح التحريري،،، والافطار بين هؤلاء والمجاهرة به مُضرّ بهيبة الدولة ومخلٌّ بمنزلتك في قلوب الناس…”. (مقتطف من “موائد الانشراح” لمصطفى الفيلالي، 2010.


التحرّر يكون بالمجتمع، لا رغمًا عن المجتمع… لكن على قلوب أقفالها…

 

الأمين البوعزيزي