كتّاب

الأحد,29 مايو, 2016
رسالة تاريخية مهمة

0e46e676b55d4665653156227e7c6249

محمد ابو رمان

إقرار مجلس شورى حزب النهضة في تونس ورقة فصل الشأن الدعوي عن السياسي، والتحوّل نحو حزب مدني سياسي؛ بمثابة رسالة تاريخية مهمة في مضمونها وتوقيتها، على أكثر من صعيد، بما يتجاوز الحالة التونسية إلى العربية عموماً.

على صعيد الحركات الإسلامية؛ ما حدث يؤكّد على نجاح الخط البراغماتي الإصلاحي في تجنب العثرات التي وقع فيها الخطّ التنظيمي الذي حكم جماعة الإخوان المسلمين، في أكثر من دولة عربية، وتحديداً في مصر، مما أدى إلى انزلاق تلك التجربة إلى “الفخ” الذي نصبه لها الجيش، وانعكس ذلك على الثورة المصرية نفسها، فانتكست التجربة الديمقراطية هناك.

تؤكّد هذه الخطوة، أيضاً، على أنّ المسار الناجع هو الفصل بين الدعوي والسياسي، والتحول الجوهري المطلوب في أيديولوجيا الحركات الإسلامية، من حركات احتجاجية شعاراتية إلى أحزاب برامجية، ومن حركاتٍ شمولية تخلط بين الدعوي والسياسي والاجتماعي إلى أحزاب محترفة العمل السياسي.
ماذا يعني ذلك؟ يعني، بوضوح، أنّ ثمة فرقاً جوهرياً بين عمل الإمام والخطيب والداعية وعمل السياسي المحترف، بين محدّدات الدعوة وشروطها ومتطلبات السياسة، بين مواصفات عضو التنظيم السرّي الأيديولوجي، ومواصفات الحزب المسيّس البراغماتي، بين الأهداف المثالية العليا والشروط السياسية الممكنة.

تلك نقلة نوعية في منطق العمل الإسلامي ومساراته، وستكون لها تداعيات كبيرة، في مرحلة لاحقة، فخلال العقود الماضية، حُكم العمل الإسلامي بالتردد والجدل حول القبول بالديمقراطية، وبإدمان العمل التنظيمي وتفضيل السرية على العلنية، وبالخلط الكبير بين منطق الدعوة والسياسي، وهو ما أثّر كثيراً على مدى نضوجه في الجانب السياسي والحزبي أولاً، وعلى حتى قدرته على تطوير خطابه الدعوي، باستقلال المجتمع المدني وعبره ثانياً.

يمثل نجاح التجربة التونسية نموذجاً مهمّاً للإسلاميين، تحديداً في المشرق العربي، الذين استولى المشهد المصري على زوايا الرؤية الكاملة لهم، وأصبحوا يدركون أنّ العمل السياسي يقوم على الاحتراف والذكاء والمهارة. وهو درسٌ لإمكانية إيجاد الحليف “العلماني”، وضرورة التحوّل والتطوّر نحو الاندماج الكامل بالهمّ الوطني والسياسي الداخلي، وصولاً إلى ما يمكن أن نسميّه “مرحلة ما بعد الإسلام السياسي”، أي إعادة تعريف الأهداف النهائية وهيكلتها، بما ينسجم تماماً مع القبول بالديمقراطية والتعددية والقيم التي تقوم عليها.

في المقابل، الرسالة التاريخية الثانية المهمة هي للأنظمة العربية المحافظة التي عملت على صوغ الثورة المضادة للربيع العربي ودعمها وتدشينها، وحاولت، في الأعوام الماضية، ضخّ حجم كبير من الدعاية الإعلامية والسياسية لتشويه قيم الربيع العربي، وترويج أنّه جرّ الويلات والمصائب على الشعوب والمجتمعات العربية، وأتى بداعش والتطرف والراديكالية والفوضى.

وعلى المنوال نفسه، اختزلت دعاية الثورة المضادة الربيع العربي بحركات الإسلام السياسي، وقامت، بعد مصر، بالعمل على الزجّ بها في البوتقة نفسها، وإلغاء أية مساحةٍ للتمييز والفصل بين السلمي والعنيف، بين الإصلاحي والراديكالي.

عملت أجندة الثورة المضادة على الربط بين “الإخوان المسلمين” وإخوانهم من التيارات الإسلامية السلمية التي أعلنت قبول اللعبة الديمقراطية من جهة، وحركات داعش وأنصار بيت المقدس والقاعدة من جهة أخرى، باعتبارهم جميعاً (سلميين وجهاديين) “وجهين لعملة واحدة”. ما حدث في تونس من نجاح مبدئي، وتحولات لدى حزب “النهضة”، تمثّل رداّ صارماً ومجلجلاً على دعاية الأنظمة العربية ضد الربيع العربي أولاً، وفي اختزال الإسلام السياسي عموماً بالتطرّف والعنف والإرهاب.

بل على النقيض من ذلك، يمثّل التدهور الذي يحدث في مصر حالياً، على أكثر من صعيد، دلالةً ساطعةً على فشل الثورة المضادة، وتهافت حججها وادعاءاتها، وآخر ذلك تقرير لمنظمة العفو الدولية، يؤكّد أنّ هنالك انهياراً كبيراً يحصل في أوضاع حقوق الإنسان في مصر.

النجاح الذي حققته الثورة التونسية، ثم الذكاء الذي حكم حزب “النهضة” الإسلامي، والنقلة النوعية الأخيرة في خطاب هذا الحزب، كل ذلك بمثابة مداميك لنقطة تحول جديدة في المتغيرات الإقليمية، ودليل واضح للشعوب على أنّ البديل عن الديمقراطية هو إما ما يحدث في مصر أو سورية، وليس العكس.