الرئيسية الأولى

الخميس,7 يناير, 2016
رسالة إلى الدكتورة آمال القرامي في “محنتها السفرية” المجانية:

الشاهد _ سيدتي الفاضلة آمال القرامي، أنت دكتورة مشهورة، بالإضافة إلى أنك ترين نفسك “إمرأة ونصفا”، ربما بالمقارنة بأمي التي هي امرأة فقط، لا تحتاج نصفا آخر، لا شعريا ولا سياسيا،

 

سيدتي، إن كان ثمة “امرأة ونصف” في بلدي، فهي التي تقوم في الخامسة فجرا في حي التضامن وغيره من الأحياء الشعبية، تخترع فطورا لأبنائها مما ادخرته من عشاء الأمس، توصي ابنتها المراهقة للمرة الألف لكي لا تقع في إغراءات شباب المنارات بسياراتهم الفارهة، وتخترع معجزات لإقناع ابنها المراهق لكي لا يقع في براثن المجموعات التكفيرية ولا في خدعة الكحول والمخدرات، تلك التي تفتش ليلا جيوب ابنها البكر المراهق بحثا عن آثار التبغ أو المخدرات وتضربه حتى في نومه بالشلاكة الزرقاء: أم تقاوم ببسالة وشجاعة محاولات العالم لإفساد أكبادها، ثم تنطلق في الظلام لساعة ونصف في الطريق نحو مصانع الشرقية وبن عروس من أجل 400 دينار شهريا، إنها أمي، وهي امرأة فقط، بلا نصف زائد مثلك، ولا ناقص مثل واقع الفقر.

سيدتي الدكتورة القرامي، لقد قلبت الدنيا ولم تقعديها لأن نظام الجنرال السيسي لم يعترف لك بفضائل مديحك له ولا بشتائمك لخصومه، ورفض دخولك مصر، تريدين منا أن نقاسمك خيبتك في هذا النظام الذي أصدر أكثر من 700 حكم بالإعدام في أقل من نصف عام دون اعتراضك ؟ النظام الذي قتل شيماء الصباغ في الطريق العام برصاص معد لقتل الخنازير ؟ النظام الذي أرسل أكثر من ثلاثة ألاف ناشط حقوقي شاب إلى السجون ؟ عندي أصدقاء حقوقيين في مصر يحتضرون الآن في صمت في سجون مصر وأنت تفخرين بالسفر المجاني إلى مصر، قبل أن تصابي بخيبتك، وهي ليست بالضرورة خيبتنا،

سيدتي الدكتورة القرامي: إن مئات، ربما آلاف التونسيين يقفون أذلة على بوابات العبور في الدول العربية، التهمة: تونسي، أي “إنسان إلا نصف”، مع أن أغلب دول الشرق تعتبر أية تونسية أقل من 35 عاما هي مشروع مومس، تمنع من الدخول كي لا تلوث مجتمع تعدد الزوجات والجواري وما ملكت أيمانهم، وليس لدي أدنى شك أنك، أنت “المرأة ونصف” تعرفين ذلك وأنت تذهبين إليهم بمصاريف مدفوعة الأجر، ولم تعلمينا يوما باعتراضك على ذلك،

 

سيدتي الدكتورة آمال القرامي، كم كان بودي لو كانت معركتك لأجل العدالة الإنسانية لنساء ورجال بلدك، لأجل النساء اللاتي يتركن أبناءهن في الخامسة فجرا ليمتطين كريطة في الوطن القبلي وقرى الساحل، صندوق شحن في شاحنة في الشمال والوسط الغربي لكي يشتغلن في حقول الفلاحة الموسمية، على أمل أن ينجبن رجالا للوطن، يحلمن بمعلمين وأطباء،

سيدتي الدكتورة آمال القرامي، لقد سألتني أم أحد أصدقائي عن مآثرك الحقوقية، فلم أجد لك موقفا غير الدفاع عن المثلية الجنسية في بر تونس وعن فكرة وجود شخص مثلي شاذ فاسد أخلاقيا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أدري إن كنت مستعدة للدفاع عن نساء تونس في مصانع الشرقية وبن عروس وغيرها من المناطق الصناعية، إنما ليس عندي أي أمل في أن أراك تدافعين عن الحقوق الحقيقية لنساء تونس، عن ابتزاز العائلات الفقيرة لتوظيف فتياتها القاصرات خادمات في بيوتكن، أنتن نساء الطبقة المترفهة من دعاة الحداثة، أما مبطلات عقد المراكنة بين دعاة الحداثة ومنظومات الحكم الفاسد، فهي تتصدر الأخبار، تطغى على أخبار معاناة الفقراء الذين يزدادون فقرا، إننا نذهب إلى انقسام اجتماعي مدمر: الفقراء يزدادون فقرا والأغنياء يزدادون غنى وشراسة، وليس لي أدنى شك، سيدتي في أنك ذلك لا يهمك، لكني مصر على كتابة هذه الرسالة إليك، من باب أن أمي، وهي أمرأة فقط، لا نصف زائد لها، وهي تقف بعناد تاريخي أمام بوابات سجون الوطن، فقط لكي تراني، لكي تتأكد أن لدي القدرة على الكتابة إلى أمثالك، وفاء لأخلاق أمي، وأخلاق الأمهات في تونس، أخلاق نساء تونس.

كمال شارني