مقالات مختارة

الأحد,29 مايو, 2016
ردود الأفعال حول زيارة الشيخ عبد الفتاح مورو لليهود التوانسة في جربة .. بين الحقيقة والمبالغة

الشاهد_ أثارت زيارة الشيخ عبد الفتاح مورو لليهود التوانسة في جزيرة جربة وحضوره احتفالهم السنوي المعروف بـ((حج الغريبة)) الكثير من ردود الأفعال الغاضبة والرافضة لهذه الزيارة خاصة خطابه فيهم، مع أن الموقف الفكري المبدئي من القضية الذي يفرق بين اليهود والصهيونية هو رأي أئمة الحركة الإسلامية ومؤسسيها قبل عبد الفتاح مورو، رغم صعوبة التفريق المعاصر بينهما، مع أنه يوجد فعلا يهود من أشد المعارضين للصهيونية وإسرائيل أكثر حتى من بعض المحسوبين على العرب والمسلمين مثل حركة(( ناطوري كارتا )).

فالإمام حسن البنا مثلا يقول عن هذه القضية:((أقرر أن خصومتنا لليهود ليست دينية، ونحن حين نعارض بكل قوة الهجرة اليهودية، نعارضها لأنها تنطوي على خطر سياسي واقتصادي، وحقنا أن تكون فلسطين عربية(إسلامية)))، ونفس الرأي تقريبا وبنفس المصطلحات عبر عنه الإمام عبد الحميد بن باديس حيث يقول:((ليست الخصومة بين كل عرب فلسطين ويهودها، ولا بين كل مسلم ويهودي على وجه الأرض، بل الخصومة بين الصهيونية والاستعمار الإنجليزي من جهة، والإسلام والعرب من جهة))، فالإمامان حسن البنا وابن باديس يقرران أن الخصومة مع الصهاينة ليس لأنهم يهود بل لأنهم اغتصبوا الأرض واعتدوا على العرض ودنسوا المقدسات وهذه الأفعال حتى إن فعلها مسلم فالخصومة معه ومواجهته واجبة، ولم يكتف الإمامان بالموقف الفكري بل تعدياه للموقف العملي كذلك، حيث تعامل الإمام ابن باديس مع يهود الجزائر في قسنطينة وغيرها، وأثنى على مواقف بعض زعمائهم مثل إيلي غزلان ومارسيل لوفراني خاصة لما ساندوا قضية الشيخ الطيب العقبي لما أتهم بقتل المفتي كحول رغم أن بعضهم ظهرت صهيونيته بعد ذلك، أما الإمام حسن البنا فقد راسل حاخام الطائفة اليهودية في مصر وطالبهم بإعلان موقفهم من الصهيونية واحتلال فلسطين، ويعلق على التدابير الحكومية لحماية ممتلكات اليهود ومتاجرهم ومساكنهم جراء رد فعل المسلمين المصريين على إحتلال فلسطين سنة 1948 بقوله:((إن الرابطة الوطنية التي تربط بين المواطنين المصريين جميعا على اختلاف أديانهم في غنى عن التدابير الحكومية والحماية البوليسية)).

كان هذا موقف الإمامين حسن البنا وابن باديس الفكري والعملي من القضية رغم كتابات الإمام ابن باديس شديدة اللهجة ضد الجرائم الصهيونية في فلسطين والدعم المادي والمعنوي الذي قدمه لقضيتها، أما الإمام حسن البنا فيكفي المشاركة الفاعلة له ولمجاهدي الإخوان في مقاومة ومواجهة الاحتلال الصهيوني على أرض فلسطين في حرب 1948 لولا الخيانات الرسمية العربية لكان للقضية شأن آخر.

لذلك فإن تعامل الشيخ عبد الفتاح مع يهود تونس بصفته مسؤولا أمر طبيعي يحتمه الموقع والخيار، وهو يحمل الكثير من رسائل الطمأنة للخارج قبل الداخل، خاصة أنه تزامن مع مخرجات المؤتمر العاشر لحركة النهضة، لكنه بالغ قليلا في إدراج بعض العبارات في خطابه وسطهم لا تعبر مطلقا عن طبيعتهم وحقيقتهم الآن، إضافة إلى محذور حضور بعض الصهاينة حقيقة لهذا الاحتفال منهم أحد حاخاماتهم القادمين من فلسطين المحتلة.

لكن يبقى الأمر رغم جرأته اجتهادي تبرره طبيعة خيارك لما تقدم نفسك لحكم أي بلد وإكراهات ذلك الكثيرة منها هذا الملف الشائك، وقد وقع الأمر نفسه تقريبا للرئيس مرسي ـ فك الله أسره ـ في الرسالة الدبلوماسية التي بعثت باسمه لرئيس الكيان الصهيوني شمعون بيريز في مناسبة من المناسبات، وإن كانت بعض المصادر قد أكدت بعد ذلك أنها أرسلت باسمه دون علمه وهو أسوء لكنها تبقى أنها تمت باسمه علم أو لم يعلم، وقبل مرسي ومورو نستحضر التعامل التركي الصهيوني في ظل حكم العالة والتنمية وأردوغان لسنوات رغم المواقف المشرفة من القضية الفلسطينية ودعمها وهكذا، أنا متأكد أن الموقف الفكري محسوم لدى كل هؤلاء ولكنها إكراهات الموقع والخيار والمسؤولية.

جمال زواري