أهم المقالات في الشاهد - كتّاب

السبت,30 يناير, 2016
راشد الغنوشي يكتب على أعمدة صحيفة “تايم”: تونس تحمل مفاتيح هزيمة الدولة الإسلامية

 

نشر زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي مقالا على أعمدة صحيفة “التايم البريطانية” ترجمه موقع الشاهد إلى اللغة العربية

 

 

خمس سنوات من سقوط الدكتاتور الأول إبان ثورة الربيع العربي، أدرك العالم أن العملية المضنية للتحول الديمقراطي بطيئة وأكثر حساسية مما كان متوقعا. فبعد شرارة من سلطة الشعب التي أسرت خيال العالم بقوتها، فإننا نرى المنطقة الآن متورطة في النزاع، مع آمال التغيير التي لم يتم الوفاء بها. وقد خلقت الاضطرابات الناتجة عن الأنظمة الاستبدادية التي ترفض إفساح المجال أمام التغيير السلمي، مساحة برز فيها تنظيم الدولة الإسلامية التي تقدم رؤية سياسية التي لا تمثل سوى العنف والموت.

 

ووسط الصعوبات، فإن تونس، مهد انطلاق شرارة الربيع العربي، لا تزال الضوء الساطع في المنطقة. وعلى الرغم من أن المشروع الديمقراطي في بلادنا لا يزال في بداياته- مع احتجاجات الأسبوع الماضي التي تعتبر بمثابة تذكير للتحديات التي لا نزال نواجهها- إلا أن هناك عدد لا يحصى من الأسباب التي تدعو إلى التفاؤل. والتقدم الذي يحصل في تونس، يقدم أفضل استجابة لمزاعم الجماعات المتطرفة التي تقول بأن الإسلام والديمقراطية لا يتوافقان. لقد أجرينا انتخابات حرة ونزيهة متعددة، والمرأة تشارك بنشاط في الحكومة والحياة السياسية، ولدينا دستور يكرس سيادة القانون والفصل بين السلطات واحترام حقوق الإنسان بما في ذلك حرية الرأي والتعبير.

 

وفي حين تجتاز تونس الجسر نحو ديمقراطية مستقرة، فإن العديد من جيراننا قد سقطوا. لقد أثبت لنا التاريخ مرارا وتكرارا أن البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية سياسية هي هشة، ويمكن أن تنزل بسرعة في حالة من الفوضى بمجرد بدء مجموعات في وضع مصالحهم فوق مصالح البلاد. وإن حزبنا، النهضة، يفهم هذا، وسعى إلى تحقيق توافق سياسي مع مختلف الأحزاب السياسية ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني في تونس من أجل مصلحة البلاد. وكان من الواضح أن أحد الحزبين لا ينبغي له أن يحكم وحده في مرحلة انتقالية. وهذا هو السبب الذي جعلنا نتواصل مع الأطراف الأخرى لإنشاء حكومة ائتلافية تحمل اسم الترويكا بعد الثورة والتي استقالت في عام 2014. كان لدينا أغلبية، ولكن أدركنا أن بناء ديمقراطية قوية يتطلب أكثر من مجرد حكم الأغلبية، إن ذلك يتطلب إجماعا حول المبادئ الأساسية. وقد كفل الاعتدال في تونس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وحافظ على الزخم من أجل الإصلاح الديمقراطي.

 

كما أن المنطقة على نطاق أوسع هي بحاجة ماسة إلى هذا النوع من الاعتدال السياسي. وإن الاستقرار يتطلب المصالحة بين الفصائل المستقطبة من خلال تحقيق الحوار والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع. فقط من خلال احترام التعددية والاتفاق على ضمانات لحقوق الجميع، يمكن معالجة شبح الطائفية والتطرف والاحتكار السياسي. وإن الاندماج السياسي، كما هو مبين في تونس اليوم، يحمل المفتاح لمستقبل هذه المنطقة.

 

ومع ذلك، في عالم مترابط ومنطقة مضطربة، تونس لا يمكن أن تستكمل الرحلة إلى ديمقراطية مستقرة وحدها. ويظل الأمن عاملا حاسما في التحول الديمقراطي لدينا. الهجمات الأخيرة التي شنها تنظيم داعش في بلادنا من المرجح أن تستهدف تدمير التقدم التونسي وقدرته على رسم مسار معتدل بعيدا عن الفوضى ونحو تحقيق الاستقرار الديمقراطي. إن الفوضى وغياب السلطة السياسية الشرعية هي شريان الحياة بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية، ذلك أن خطابه يسعى إلى تقويض الدعم للديمقراطية، ومثل كل الجماعات المتطرفة في جميع أنحاء العالم، طرح أعضائه حلولا مبسطة لمشاكل معقدة وجذب أنصارا بواسطة تأجيج الخوف والكراهية.

 

ويجب على صناع القرار حول العالم أن يعترفوا بأنه لا توجد حلول سهلة لمشاكل معقدة. نعم، نحن بحاجة إلى مكافحة هذا التهديد من خلال تحسين الشرطة بتدريب أفضل وتوفير معدات لقواتنا الأمنية. ومع ذلك، هناك حاجة إلى إستراتيجية متطورة لمكافحة التطرف التي تبدو على وجه التحديد في برامج دعم التطرف. وفي كثير من الأحيان، تكسب الجماعات المتطرفة الدعم من خلال اللعب على مخاوف الناس من أجل المستقبل وتوفير الفرص الاقتصادية للفئات الأكثر ضعفا. هناك حاجة إلى استراتيجيات التنمية المحلية التي تعالج المظالم المحلية وتخلق فرص العمل المطلوبة بإلحاح والفرص الاقتصادية، وخاصة للشباب. وإن احتجاجات الأسبوع الماضي تنبع من الشعور بالإحباط في البطالة والتأكيد على أهمية وضرورة تقديم مستقبل أكثر ازدهارا للتونسيين.

 

من الصعب أن تخلق مقاربة أمنية ثابتة، الأمل والفرص المطلوبة. بل هناك حاجة إلى الرواية المضادة والمتسقة والمقنعة للتطرف أيضا لمواجهة الدعاية التي تنشرها الجماعات المتطرفة من خلال قنوات متعددة. ثم إن دعم الديمقراطية والتعددية السياسية باعتبارها أفضل وسيلة للتصدي لتحديات المجتمع هو أمر أساسي لهذا السرد المضاد. وهذا يعني أن على جميع الأطراف والجهات الفاعلة الدولية أن تحترم العملية الديمقراطية، بغض النظر عما إذا كانوا يوافقون على النتائج الانتخابية.

 

علاوة على ذلك، يستغل تنظيم داعش والجماعات المتطرفة الأخرى الخطاب الديني لتبرير سعيهم للهيمنة السياسية. ويجب على السرد المضاد الفعال مواجهة هذا الخطاب الرئيسي و أن يقدم تفسيرا صحيحا لروح الإسلام كما يعيشه ويمارسه أكثر من مليار شخص على وجه الأرض، دين الرحمة والاحترام والتضامن والتعايش. وكحزب الديمقراطيين المسلمين، تعتقد النهضة أن القراءات السليمة للإسلام هي أفضل طريقة لهزيمة الدولة الإسلامية وتفسيراتها المحرفة والمشوهة.

 

كما أنه من المبكر جدا القول ما إذا كانت أحلام الثورات العربية هي في طريقها إلى أن تتحقق. ففي أوروبا، استغرق التغيير أكثر من مائة سنة وغالبا ما اتبعت بانتفاضات مضطربة وعنيفة. لقد دخل العالم العربي مرحلة جديدة من التغيير الديمقراطي الذي قد يستغرق 10 أو 20 عاما لتؤتي ثمارها. ففي منطقة تتميز بالتنوع العرقي والثقافي والديني الهائل، فضلا عن الأهمية الجيواستراتيجية الكبيرة، مُهِّد مسار التحول الديمقراطي دائما بالعثرات.

 

وهذا هو السبب في أنه من المهم جدا أن نظل متحدين في مواجهة هذه التحديات فقد أظهرت تونس أن الاعتدال الجذري –مشددة على أن الحوار السياسي هو السبيل الوحيد لحل الصراع- هو الأساس القوي للتغيير التدريجي والمستدام. والتونسيون يعملون الآن معا عبر الانقسامات السياسية والاجتماعية لضمان رؤية متمكنة تؤكد أن الحرية والكرامة الإنسانية والمساواة يقودون عملية التحول الديمقراطي في بلادنا. أضف إلى ذلك، الحوار السياسي وقبول الاندماج هي الحلول الوحيدة لفض للصراعات التي نراها في سوريا وليبيا واليمن وأماكن أخرى في المنطقة.

 

إن التغيير ليس سهلا، فالإصلاح دائما يولد المقاومة والمعارضة. وتعمل الحكومة الائتلافية في تونس حاليا على الإصلاحات الاقتصادية لمعالجة المظالم الاقتصادية والاجتماعية التي أبرزتها الثورة، مع توفير فرص العمل والتخفيف من حدة الفقر كأهداف رئيسية. كما أن دعم الأصدقاء والحلفاء هو أمر حاسم بالنسبة لتونس، باعتبارها جسرا إلى العالم العربي، ووسيط للتغيير السلمي ومثالا للحوار والتوافق والإصلاح.

وتستمر مسيرتنا الديمقراطية.