كتّاب

الإثنين,15 يونيو, 2015
راشد الغنوشي رجل الدولة … 

الشاهد_“لا ضير أن نخسر بعض قواعدنا، المهم ان نربح تونس”.. ما أعذبها من قولة صدع بها الشيخ راشد الغنوشي أمام جماهير “حركة النهضة” بمناسبة الذكرى 34 لتأسيسها.

قولة من ذهب لمسؤول بلغ درجة الحكمة والرشاد بعد تجربة حية سبر فيها الاغوار وادرك من خلالها قيمة التمازج بين العقل والنقل وأهمية الاصداع بالرأي في حينه حتى ولو كان على حساب المصلحة الشخصية وضد ميول الأغلبية.

تلك هي مواصفات الزعماء الكبار القادرين على السباحة في الأعماق وأحيانا ضد التيار، والفوز بقصب السبق في اخر المشوار.

الزعماء الكبار الذين يمتلكون بعد النظر والشجاعة لا يتحرجون من مصارحة شعوبهم بكلمة الحق بعيدا عن صنوف المجاملة والتملق، فمجاملة الشعوب والتملق لها ومحاولة استرضائها بالكلام المعسول او بالهدايا المسمومة، يمكن للزعيم السياسي ان يستفيد منها ظرفيا وإلى حين، لكن المستقبل لن يكون حتما لصالحه، خاصة عندما يكتشف الشعب حقيقة الأمر ويتأكد أنه كان ضحية خدمة ومواقف أو قرارات مغشوشة.

 

– كلنا يعلم ما كان من أمر الزعيم الحبيب بورقيبة عندما طالب رفاقه في الكفاح وعموم الشعب التونسي بعدم التعاون مع قوات المحور في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أوائل الاربعينات وأكد لهم بما لديه من معطيات ومقاربات بأن النصر سيكون من نصيب الحلفاء، وعلينا كتونسيين تهمنا مصلحة بلادنا قبل كل شيء أن نعمل في الاتجاه الصحيح وألا نقع فريسة للعواطف حتى لا نجد أنفسنا عندما يجد الجد في صف الخاسرين، بل ضمن معسكر الفائزين، في ذلك الوقت لم يكد يصدقه أحد، بل من الرفاق من تمرد عليه ومن العامة من عملوا ضد نصيحته.

كذلك كان الشأن عندما صارح الاشقاء الفلسطينيين في خطاب أريحا الشهير سنة 1965 ونصحهم بقبول قرار الأمم المتحدة كحل تكتيكي مرحلي والتعويل على أنفسهم قبل كل شيء في الدفاع عن قضيتهم.

وتعلمون جيدا ما كان من أمره لدى اخواننا العرب المشارقة الذين خونوه ونبذوه وطالبوا برأسه.

أما اليوم فأغلبهم يقول بحرقة وحسرة: ليتنا صدقنا بورقيبة، وأنسج على ذلك خياراته في تعميم التعليم واصدار مجلة الأحوال الشخصية وإرساء برنامج التنظيم العائلي، والأمثلة من هذا القبيل كثيرة ومتنوعة ويمكن سحبها من خلال اجندا التاريخ المعاصر على قادة وأعلام كثر مثل الزعيم البريطاني تشرشل والقائد العسكري الفرنسي نيلسون مانديلا وغيرهم، الذين لم يتعاملوا مع شعوبهم بسياسة (الجمهور عايز كده) بل تعاملوا مع القضايا المطروحة بروح المسؤولية وبإعمال الرأي والاستعداد للمصارحة والمواجهة وتحمل تبعاتها حتى وإن كانت مؤلمة أو غالية الثمن على مستوى الشعبية بالخصوص، ديدنهم في ذلك الحرص على المصلحة العليا للوطن وهدفهم النتيجة الإيجابية (والعبرة بالنتائج) في النهاية.

 

– اليوم يعلو في تونس صوت راشد الغنوشي زعيم حزب حركة النهضة منافيا لما يقوله سياسيون اخرون من أحزاب المعارضة ومن الأحزاب الحليفة في الحكم وحتى من داخل “النهضة” نفسها، يعلو صوته بالحكمة وكما أنه النشاز أو التغريد خارج السرب وسط منظومة دعائية أو كلامية مشحونة بالمزايدات والأباطيل والمغالطات..

جاء هذا الصوت ليقول للتونسيين جميعا “اتقول الله في حق تونس” وليذكرهم بقوله تعالى “إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا عسى أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على فعلتم نادمين” لينبههم إلى أن حرية الرأي والتعبير والممارسة الديمقراطية والمطالبة بالحق والعدل، لا تعني أبدا التفصي من الواجب الوطني ومن ثقافة المواطنة ولا تعني التقاعس عن العمل والمبالغة في المطلبية وزعزعة أركان الدولة والرجوع على الأعقاب في إثارة النعرات القبلية والجهوية وضرب الاقتصاد والاستهانة بأمن الوطن، ليقول لهم ثوبوا إلى رشدكم (فيقوا على رواحكم) فتونس لم تعد تحتمل والخطر يتربص بها وبجميع أبنائها، فإذا سقط سقف الدولة الذي يظل الجميع، فسوف يسقط على رؤوس الجميع والكوارث إذا حلت لا قدر الله فسوف لن تفرق بين يميني أو يساري، وبين إسلامي أو علماني بين محافظ أو حداثي.. ولكم في الأمثال حكمة وأسوة.

هاهي القنابل التي تحصد أرواح أشقائنا السوريين والعراقيين واليمنيين والليبيين لا تسأل أبدا عن الهوية السياسية أو القبلية، ولا تفرق بين كبير أو صغير، غني أو فقير، انه الدمار الشامل والفوضى العارمة، انها المأساة التي صنعتها الأنانية والمآرب الشخصية والنظريات السياسوية البغيضة بما فيها من حقد وكراهية جشع كامن في نفوس (القيادات) الفاسدة، الفاشلة الدموية التي تبتلي بها الشعوب المغلوبة على أمرها.

 

– خطاب راشد الغنوشي هو خطاب المرحلة الذي يجب ان يتبناه وينسج على منواله بقية زعماء وقادة الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية في تونس للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة، الوحدة الوطنية والالتفاف حول الدولة والاحتكام للقانون والمؤسسات وصندوق الاقتراع ونبذ الأنانية والالتزام بالمرحلية والواقعية والتدرج في الحلول وتغليب الأهم على المهم والارتكان إلى الحوار ثم الحوار ثم الحوار في معالجة القضايا العالقة والراهنة والمستجدة، فيها جميعا حبل النجاح ومدرج الاقلاع وبوابة الافق الأرحب.

 

– راشد الغنوشي يتحدث اليوم بمنطق الحفاظ على مقومات الدولة وبمنطق المغرر بهم وبمنطق الوحدة الوطنية بين جميع التونسيين مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية والفكرية أو حتى العقائدية، لكي تبقى تونس للجميع واحة سلم وعدل وأمان، وتلك هي مواصفات رجل الدولة، فالدولة الوطنية ليست فقط جيش وأمن وحكام ومصانع ومدارس ومناجم ومزارع، وإنما هي أيضا رجال عظام وأفكار عميقة ومواقف شجاعة محسوبة، ستراها الأجيال وسيحكم لها التاريخ.

 

– ان ما يفهم من خطاب الغنوشي ان معركتنا ليست معركة هيمنة من هذا التيار على ذاك بقدر ماهي معركة وطن وقضية مصير.

 

انها دعوة لجميع الساسة في بلادي أن يغلبوا مصلحة البلاد على اللهث وراء المكاسب السياسية العابرة، ولينتصروا للدولة الوطنية الديمقراطية القوية المهابة، ويرحّلوا المعارك الانتخابية أو حتى الاديولوجية لا يهم، إلى مواعيدها الدستورية، وإن هم فضلوا الكراسي على الوطن، فليأخذوا الكراسي أو ليرحلوا ويتركوا لنا الوطن.

 

بقلم : رشيد البكاي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.