وطني و عربي و سياسي

الأحد,16 أغسطس, 2015
“رأس جدير”.. فتنة على الحدود الليبية التونسية

الشاهد_غبار من التراب الأمغر يطوّق الأفق والردم المكدّس يشير إلى حداثة الخنادق، ولكن لا يمكننا الاقتراب أكثر؛ لأنّ المكان قد أعلن “منطقة عسكرية مغلقة”. بيد أنّ الصحراء بشجيراتها الجافّة واضحة للغاية؛ ففي رأس جدير تشهد الحدود منذ بضعة أسابيع نشاطًا غير عادي، نشاط الحفّارات؛ إذ إنّ تونس قد قرّرت حفر خندق مملوء بالماء المالح تعلوه الرمال من أجل حماية نفسها من مخاطر ليبيا.

يشهد هذا الجدار، المتوقّع أن يمتدّ على طول 168 كم في حين يشترك البلدان في شريط حدودي يقدّر بـ520 كم، على قطيعة في تاريخ المنطقة الليبية التونسية المفتوحة على جميع حركات التهريب.

اتّخذت تونس هذا القرار غداة الهجوم الإرهابي يوم 28 يونيو على منتجع بالقنطاوي من ولاية سوسة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية أسفر عن مقتل 38 سائحًا أجنبيًّا. وتشير السلطات التونسية إلى أنّ القاتل شابّ تونسي تدرّب في معسكر في ليبيا، شأنه شأن الشابين الّذين قادا الهجوم على متحف باردو في العاصمة تونس يوم 18 مارس وأودى بحياة 21 زائرًا أجنبيًا. لذا؛ تتظاهر تونس بمحاربة مسامية الحدود مع ليبيا، الّتي ينظر إليها على أنّها مصدر الشرّ في مواجهة الهجوم الإرهابي غير المسبوق الّذي يستهدف واحدة من ركائز الاقتصاد التونسي: السياحة.

“قرار أحادي الجانب”

المسألة حساسة للغاية؛ فالسلطات الليبية في طرابلس امتعضت، مندّدة بـ”قرار أحادي الجانب”، بينما ينتشر السخط بين سكّان المناطق الحدودية الّذين يكسبون قوتهم من التهريب. وفي علامة على الحرج، تتجنّب الحكومة التونسية استخدام مصطلح “الجدار”؛ مفضّلة اللجوء إلى كنية “الحاجز”. ولكن، بغض النظر إن كان جدارًا أو حاجزًا، يثقل جدال حادّ الوجه الجديد للحدود التونسية الليبية.

يشار في مدينة “مدنين” التونسية -مقرّ المحافظة الّتي تطلّ على الجزء الشمالي للحدود والّتي تبعد نحو مئة كيلومتر عن رأس جدير- إلى الفتنة. ففي هذا اليوم، مرّ وفد ليبي بالمدينة، أتى لبحث سبل التكامل بين طرفي الحدود ولا يمكن لقضية الجدار أن تؤدي إلى ما هو أسوأ ممّا حدث؛ إذ يتساءل سليم قريرة مزيوي، النائب في المجلس المحلّي للقرية الليبية الحدودية وزّان: “لماذا يبنى هذا الجدار في حين أنّه قد انهار بين الألمانيتين وألغيت الحدود في أوروبا؟ ستطرح هذه المسألة صعوبات لا يمكن تحمّلها. هناك مزارعون يحرثون الأرض على جانبي الحدود وهناك قطيع من الإبل يعبر الحدود روحة وجيئة”.

لذا؛ سيكسر الجدار التقاليد القديمة للمجتمعات الحدودية الّتي تجاهلت حتّى الآن حدود الدولة الّتي تقسم بطريقة مصطنعة بين قبائل بأكملها؛ إذ يقول مدير فندق تونسي في مدنين -عادل عرجون-: “سيقسّم الجدار شعبًا واحدًا”.

التهريب المثمر

نجد في مدنين أو في بن قردان -المدينة الأقرب للحدود- بطبيعة الحال مؤيدين للجدار؛ إذ يؤكّد المحامي وممثل الرابطة التونسية لحقوق الإنسان في بن قردان سعيد لملوم: “للحكومة التونسية الحقّ في حماية حدودها لأسباب متعلّقة بالأمن القومي، ولكن عليها أن تفهم الناس أنّ الجدار ليس موجّهًا ضدّهم”. تبدو هذه المهمّة حسّاسة للغاية والعمل التربوي شاقًا، خاصّة وأنّ شكوك سكّان هذه المناطق الحدودية في الحكومة المركزية عميقة؛ حيث يتّهمونها باللامبالاة.

بقي سكّان تونس الداخلية المهمّشون منذ عقود من قبل الاستراتيجية الاقتصادية الّتي أعطت الأولوية إلى الساحل على قيد الحياة بفضل التهريب مع ليبيا شرقًا ومع الجزائر غربًا، وهكذا يبدو التهريب مثمرًا من خلال البنزين الليبي المباع على الحدود بسعر أرخص مرّتين من سعره في محطّات البنزين في تونس؛ إذ يكفي أن ترى أكوام العبوات والمحطّات البدائية المنتشرة في كلّ مئة متر من طرقات المنطقة لتقتنع؛ حيث إنّ خرطومًا صغيرًا قادر على ملء خزّان السيارة بأسعار تكسر المنافسة.

يقول منصف علي (تمّ تغيير اسمه بناءً على طلبه): “هذا الجدار ضدّنا، ضدّ شعبنا، ضدّ قوت يومنا، ضدّ الجنوب التونسي”. يجلس تاجر الملابس ذو النظرة القاسية في محلّه في مدنين محاطًا بسلع مستوردة من الصين أو من الهند أو من تركيا، مرّت جميعها بالتهريب عبر الجارة ليبيا، ثم يقول بلهجة تصوّر عقدة الضحية المنتشرة في تونس الداخلية: “إنّ حكومة تونس تعاقب الجنوب على قصص إرهابية لا علاقة لها بنا”.

ثمّ يضيف مساعده وليد (تمّ تغيير اسمه أيضًا) الحامل لشهادة عليا في تقنيات التنقيب عن النفط دون أن يجد موطن شغل: “إنّ التهريب غذاؤنا، تونس (العاصمة) تريد أن تقتل الجنوب”.

من خلال الاستماع إلى المآسي في محلّ مدنين نقيس حجم العداء الشعبي للجدار الّذي يُبنى. لم ينشب حتّى الآن أي حادث جادّ، ولكن إلى متى؟ يتوقّع منصف علي أنّ “المنطقة ستشتعل مع الانتهاء من بناء الجدار”.

“ستكون هناك أعمال انتقامية”

القلق قائم؛ إذ تواجه تونس بديلًا مؤلمًا: تسلل الإرهابيين عبر الحدود الّتي يسهل اختراقها أو عدم الاستقرار الاجتماعي الّذي يغذيه تضييق الخناق على التهريب. وبعد أنّ أعطت الحكومة لوقت طويل الأولوية إلى الاستقرار الاجتماعي متغاضية عن التهريب، انتبهت مؤخرًا إلى ضرورة الأمن مع خطر إضعاف الاقتصاد الموازي في الحدود. وفي وقت سابق من هذا العام، اندلعت اضطرابات في بن قردان وكذلك في الذهيبة -جنوب بن قرادن- بسبب ضريبة المغادرة الّتي فرضت على الليبيين عند خروجهم من تونس في إجراء يعاقب التجارة الحدودية.

مع ظهور هذا الجدار، يخيّم شبح الحوادث الجديدة من جديد على بن قردان ومدنين، كما تظهر أيضًا خشية من أن يوظّف استياء السكّان من قبل الميليشيات الليبية المهيمنة على الجانب الآخر من الحدود؛ إذ يشير عادل عرجون: “ستكون هناك أعمال انتقامية ليبية بالتأكيد”. لذا؛ تبدو المسألة استراتيجية بوضوح.

ولكن في مدنين، يحدّ العديد من المسؤولين من هذا الخطر؛ إذ يقول ضابط شرطة: “نعم، يمكن للميليشيات الليبية الّتي تعيش على التهريب أن تسعى إلى تغذية الاضطرابات على الحدود لإرسال رسالة إلى تونس ولكن لن تذهب بعيدًا؛ لأنّ الليبيين في إقليم طرابلس (الإقليم الغربي المجاور لتونس وفقًا لتقسيم أقاليم ليبيا أيّام المملكة: طرابلس وفزّان وبرقة) في حاجة إلى تونس أكثر ممّا تحتاج تونس ليبيا”. ولكن هناك مناطق في تونس -المناطق الحدودية في الشرق- تحتاج إلى ليبيا أكثر من احتياجها إلى تونس، وهكذا يمثّل الجدار بالضرورة فتنة سيئة.

لوموند