كتّاب

الخميس,2 يونيو, 2016
ذكر ما جرى فى تونس

الشاهد_لا يكف الحدث التونسى عن إدهاشنا، الأمر الذى تجلى أخيرا فى قرار إعلان حركة النهضة الانتقال من الإسلام السياسى والتفرغ للإسلام الديمقراطى.

الإعلان جاء مدويا، ولاتزال أصداؤه تتردد فى داخل تونس وخارجها، رغم أنه تم منذ نحو عشرة أيام (يوم الجمعة 20 ماي الحالى). حين وقف رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشى فى افتتاح مؤتمرها العاشر فى قاعة «رادس» الأولمبية بالعاصمة وأعلن النبأ أمام حشد غفير من التونسيين تجاوز عددهم 12 ألف شخص. الذين حضروا لم يكونوا أنصار النهضة وأعضاء مؤتمرها العام وحدهم، ولكن الأهم من ذلك أن فعاليات المجتمع التونسى كلها كانت حاضرة. ولم يكن هؤلاء يمثلون مختلف الاتجاهات السياسية فحسب، وإنما لوحظ أيضا أن مقاعد الصف الأول جلس عليها بعض قيادات الحزب الدستورى ووزراء فترتى حكم الرئيسين بورقيبة وبن على بمن فيهم «الصقور» الذين قادوا الصراع بين التيارين الدستورى والإسلامى حينا من الدهر. وهو ما أدهش الجميع حتى قال أحدهم إن الصورة كان ينقصها بن على لتكتمل ولو أن وزراءه قاموا بالواجب. وذهب آخرون إلى أن ذلك التقارب بين الدساترة والإسلاميين يمثل فصلا آخر فى مسيرة التصالح التى حدثت فى باريس بين الباجى قائد السبسى زعيم حزب النداء (قبل انتخابه رئيس للبلاد) وبين «الشيخ» راشد الغنوشى. وجاء المشهد دالا على حرص قيادة النهضة على إجراء التصالح والتوافق ليس فقط مع الاتجاه العلمانى ومختلف القوى السياسية فى المجتمع التونسى، وإنما أيضا على تحقيق ذلك التصالح بين الماضى والحاضر.

فى خطابه أعلن الغنوشى أن حركته قررت الفصل بين الدعوى والسياسى. واختارت الالتزام بالتخصص والتفرغ لممارسة النشاط السياسى والانتقال من الأيديولوجية إلى الدولة، تاركة المجال الدعوى لمنظمات المجتمع المدنى. ومن ثم فإن الشاغل الأساسى للحزب فى المرحلة المقبلة سيظل مقصورا على السعى من خلال التوافق لتحقيق التنمية والنهضة وبناء الدولة الحديثة. نائبه الشيخ عبدالفتاح مورو لخص تلك الرؤية حين ردد شعار «الوطن قبل الحركة». وحين تحدث الرئيس التونسى الباجى السبسى فإنه أشار إلى أنه تردد فى الحضور حتى يحتفظ بمسافة واحدة أمام الأحزاب التونسية (٢٠٤ أحزاب) لكنه قرر المشاركة فى الافتتاح، تقديرا للدور الهام الذى قامت به «النهضة» فى تحقيق التوافق والحفاظ على الاستقرار فى مرحلة الانتقال التى أعقبت سقوط النظام السابق، ودعا السبسى أبناء النهضة إلى التأكيد على أن حركتهم أصبحت حزبا مدنيا تونسيا ولاؤه لتونس وحدها مضيفا أنه دأب على التصريح فى المحافل الدولية بأن التيار الإسلامى فى تونس لا يمثل خطرا على الديمقراطية.

ما إن أطلق الغنوشى المفاجأة حتى فرض الخبر نفسه على مقدمة نشرات الأخبار فى مختلف العواصم الغربية فضلا عن العربية، فاعتبره البعض انقلابا وزلزالا سياسيا. وقال آخرون إن الشيخ راشد انضم إلى نادى العلمانيين. ورحب فريق ثالث بالإعلان بحسبانه تسليما بمبدأ الفصل بين الدين والسياسة، وذكرت بعض التحليلات أنه مجرد توزيع أدوار وأن القرار تعبير عن فشل الإسلام السياسى. وقرأ بعض الكتاب الخبر مستخدمين نظارة السلطة المصرية فى تعاملها مع الإخوان واعتبارها حالة ميئوسا منها ومشكوكا فيها.

فى اليوم التالى للافتتاح بدأت أعمال مؤتمر النهضة فى منتجع الحمامات الذى يبعد مسافة أكثر من 100 كم عن العاصمة. وحضر المؤتمر 1200 عضو من الرجال والنساء يمثلون قواعد الحركة فى داخل تونس وخارجها. ووزع على الجميع تقرير فى ١٥٦ صفحة، تضمن تقييم تجربة المراحل التى مرت بها الحركة، مستعرضا العثرات التى تعرضت لها والأخطاء التى وقعت فيها. كما تضمن عناصر رؤية المستقبل فى ظل الانحياز للتخصص الوظيفى واختيار التحول إلى حزب سياسى مع التخلى عن الأنشطة الدعوية والمجتمعية والثقافية الأخرى، لكى تنهض بها منظمات المجتمع المدنى. فى هذا الصدد ذكر التقرير أن مشروع حزب حركة النهضة خطوة على صعيد التطور الفكرى والاجتماعى السياسى. وهو «مشروع إصلاحى حضارى يستند إلى المرجعية الإسلامية ويحتكم للدستور التونسى وسائر القوانين المرعية المنبثقة عنه».

حين سألت الشيخ راشد عن رأيه فى الأصداء التى أحدثها إعلانه ذكر فى ذلك ما يلى:

أنه لم يتحدث عن فصل الدين عن السياسة، لكن استراتيجية الحزب تنطلق من التمييز بينهما. لأن شمولية الإسلام لا تعنى شمولية الأنظمة العاملة له. ولأن مجالات تلك الأنظمة متعددة، فإن التخصص أصبح يفرض نفسه فى الوقت الراهن. بوجه أخص فإن فصل السياسى عن الدعوى يسمح للدعوة بأن تستمر دون أن تتأثر جهود القائمين عليها بتقلبات عوامل المد والجزر التى يتعرض لها الحزب أثناء التدافع السياسى.

 إن حركة النهضة ظلت تطور أفكارها طول الوقت كما طورت عنوانها، فقد بدأت باسم الجماعة الإسلامية ثم حملت اسم حركة الاتجاه الإسلامى، وبعد ذلك اختارت «النهضة» عنوانا لها، وفى مرحلة بورقيبة التى هبت فيها رياح التغريب قوية على تونس، كانت الحركة عقائدية تخوض معركتها من أجل الهوية، وفى مرحلة بن على ونظامه الشمولى والاستبدادى تحولت الحركة إلى احتجاجية تقاوم ظلمه وترفضه. وبعد إطاحة النظام السابق وحسم مسألة الهوية بالنص فى الدستور على أن دين الدولة هو الإسلام فإن الحركة ارتأت أن تتحول إلى حزب ديمقراطى وطنى له مرجعيته الإسلامية والتزامه بمقتضيات الدستور وروح العصر، بالتالى فالتطور الأخير لم يكن نتيجة لإكراهات الواقع، وإنما هو تتويج لمسار تاريخى طورت فيه موقفها تبعا لمقتضيات التفاعل مع الواقع ومواجهة تحدياته.

 إن تونس تعانى من التطرف على الصعيدين الإسلامى والعلمانى، ومن أسباب التطرف الإسلامى أن الدولة فى العهدين السابقين، وخلال 22 سنة، فرضت حالة من التجريف الدينى فى تونس، وهى التى أطلقت الدعوة إلى «التحريض الدينى»، وحين ركزت على مواجهة حركة النهضة، فإن ذلك فتح الأبواب واسعة لانتشار السلفية بمختلف أشكالها، وحين قامت الثورة أطلق سراح نحو 3000 سلفى، وهؤلاء استولوا على المساجد خلال السنوات الثلاث الأولى للثورة التى شغلت خلالها السلطة بترتيب البيت التونسى، وإلى جانب هؤلاء نمت حركة التطرف العلمانى الذى كان تأثره قويا بالعلمانية الفرنسية المخاصمة للدين والمعاندة له. ومن تجربة حركة النهضة التى تداخل فيها الدعوى مع السياسى، أدركنا أن السياسة أضرت كثيرا بالدعوة التى ظلت ضحية الصراع ضد النظامين السابقين.

فكرة التمييز بين السياسى والدعوى ليست جديدة فى الساحة الإسلامية، ولكنها أحدثت رنينها القوى لأن إطلاقها فى تونس تم فى أجواء عربية ودولية غير مواتية. ذلك أن نموذج «داعش» ومن قبله «القاعدة» صار مهيمنا على الفضاء العام، إضافة إلى أن صراع النظام المصرى مع حركة الإخوان فوت فرصة إخضاع تجربتهم للنقد واكتفى بتصنيفهم ضمن «أهل الشر». وأسهمت ظروف أخرى متعلقة بالصراعات الفكرية وبالعوامل الإقليمية فى تعميم الاتهام على جميع تجليات الظاهرة الإسلامية، فاختلط العاطل بالباطل، بحيث علت أصوات رفضت التمييز بين المعتدلين والمتشددين. وآثرت وصف الجميع باعتبارهم متطرفين وإرهابيين. لذلك اعتبر الحدث التونسى تطورا استثنائيا وصفه البعض بأنه هزيمة للإسلام السياسى وانتصار للعلمانية.

ذكرنا الدكتور محمد عمارة فى مؤلفه «إسلامية الدولة والمدنية والقانون» بأن الدكتور عبدالرزاق السنهورى أبو القانون الدستورى فى مصر نشر دراسة فى عام 1929 بمجلة «المحاماة» تحدث فيها عن التمييز بين الدين والدولة فى الفكر الإسلامى وعارض فكرة الفصل بينهما. وقد انحاز الدكتور عمارة إلى فكرة التمييز التى تبناها آخرون فى مصر ودعوا إليها، فى المقدمة منهم المستشار طارق البشرى. ومن الكتابات المهمة التى عمدت إلى تأصيل الفكرة مؤلف الدكتور سعد الدين العثمانى الذى صدر فى عام 2009 بالدار البيضاء تحت عنوان «الدين والسياسة تمييز لا فصل». والدكتور العثمانى من أبرز قيادات حزب العدالة والتنمية فى المغرب. وكان أمينا عاما للحزب حتى عام 2008 وعين وزيرا لخارجية المملكة فى عام 2012.

على الصعيد العملى فإن الحركة الإسلامية العربية عرفت الفصل بين السياسى والدعوى فى ثلاثة أقطار عربية هى الأردن والمغرب ومصر. كانت حركة الإخوان قد تشكلت فى الأردن عام ١٩٤٦، لكنها أسست عام ١٩٩٢ حزبا تخوض به الانتخابات باسم «جبهة العمل الإسلامى». أما المملكة المغربية فإن الحركة الإسلامية التى تشكلت فى عام ١٩٩٦ حملت اسم «حركة التوحيد والإصلاح»، اختارت أن تؤسس حزبا فى عام ١٩٩٧ باسم حزب «العدالة والتنمية». ورغم التشابه فى الشكل فإن التجربتين اختلفتا بصورة نسبية. ففى الأردن تداخلت الحركة مع الحزب حتى بدا كأنهما يخضعان لقيادة واحدة، ورغم مشاركة الحزب فى الانتخابات إلا أنه لم يستطع لأسباب عدة أن يحقق الأغلبية التى تمكنه من تشكيل الحكومة. ولذلك ظل تمثيله مقصورا على المشاركة فى البرلمان أو الحكومة.

فى المغرب اختلف الموقف إلى حد كبير. فاستقلال حزب العدالة والتنمية عن حركة التوحيد والإصلاح ظل محسوما. وحقق الحزب نجاحات متزايدة فى الانتخابات التشريعية إلى أن احتل المرتبة الأولى فى انتخابات عام ٢٠١١. فتولى أمينه العام عبدالإله بنكيران رئاسة الحكومة فى عام ٢٠١٢ بالتحالف مع ثلاثة أحزاب أخرى. ولاتزال الحكومة مستمرة إلى الآن.

التجربة فى مصر كانت محدودة ومتواضعة. ذلك أن جماعة الإخوان التى تأسست فى عام ١٩٢٨، شكلت حزب الحرية والعدالة فى عام ٢٠١١، بعد ثورة ٢٥ يناير، لكن الحزب ظل متداخلا مع الحركة، إلى أن انهار مع انهيار الجماعة وحظرها فى عام ٢٠١٣. إلا أن مصر عرفت حزبين سياسيين التزما بالمرجعية الإسلامية خارج الجماعة، هما حزبا «الوسط» و«مصر القوية»، وإلى جوارهما شكل السلفيون حزب «النور». وهى أحزاب لم تثبت حضورها فى الفضاء المصرى بعد، رغم أن حزب النور حقق تقدما ملحوظا عند الانتخابات التى تمت تحت حكم الإخوان.

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن الخطوة التى أقدمت عليها حركة النهضة أقرب إلى التجربة المغربية فى الفصل بين الدعوى والسياسى. إلا أنها تقدمت عليها فى الخروج من فضاء الدعوة. وهى أقرب إلى النموذج التركى فى الاكتفاء بالنشاط السياسى وان اختلفت عنها فى المرجعية، لأن حزب العدالة والتنمية التركى (المقتبس من التجربة المغربية) مرجعيته علمانية وليست إسلامية.

(4)
سئلت فى تونس عن رأيى فى التحول الذى أقدمت عليه حركة النهضة، فقلت إنه يمثل خطوة جريئة عبرت عن طموح قيادات النهضة وعلى رأسها الشيخ راشد الغنوشى، وهو من تبنى منذ أمد بعيد موقف الدفاع عن الديمقراطية. وسجل ذلك فى كتابات عدة، كان أحدثها مؤلفه «الديمقراطية وحقوق الإنسان فى الإسلام» الصادر عام ٢٠١٢.

قلت أيضا إننا ينبغى أن نتريث لكى نرى مدى تأثير هذه الخطوة على تماسك الحركة وموقف تيار الصقور منها، ورغم تأييدى لها فإننى أخشى أن تترك ساحة الدعوة للسلفيين ومن لف لفَّهم. فيكون الضرر فيها أكثر من النفع. كما أننى أخشى على مشروع ورسالة النهضة من الغوايات والفتن الكامنة فى ثنايا الحزب وتطلعه المشروع إلى السلطة. وإذا تم تجاوز هذين الاعتبارين بنجاح فإننا سنكون بصدد تجربة تاريخية فريدة فى نوعها.

فهمى هويدى