عالمي عربي - فن - كتّاب

السبت,13 يونيو, 2015
ذبح الحمير وأكلها في مصر.. لن تصدق ما قاله المسؤولون عن فوائدها

الشاهد_برغم أن صحف مصر تنشر من حين لآخر أخبارًا عن “القبض على جزار ذبح حمارًا وباع لحمه للمواطنين”، أو “عصابة تذبح الحمير وتبيع لحومها لمحلات الكباب والكفتة”؛ فقد جاءت واقعة ضبط أجهزة الطب البيطري ومباحث التموين 30 حمارًا مذبوحًا بمزرعة “غير مرخصة” بمحافظة الفيوم (جنوب مصر) وضبط مئات الحمير داخل المزرعة، لتطرح جدلًا فقهيًا وصحيًا، وتبريرات أثارت سخرية على مواقع التواصل من تصريحات مسؤولين صحيين أن لحم الحمير “لذيذ ومفيد وصحي”، وأن من يأكله لا يخاف أن “ينهق”.

قال وكيل وزارة الطب البيطري بمحافظة الفيوم، اللواء الدكتور محمد رجائي، إن مباحث التموين تلقت شكاوى من المواطنين تفيد بقيام أحد الأفراد بتربية الحمير وجمعها وذبحها ونقلها إلى القاهرة، وإنهم يخشون من توزيعها على الأسواق؛ فتم ضبط المزرعة ومكان يشبه “سلخانة” أثناء عملية الذبح.

وقال إنهم وجدوا قرابة 1000 حمار حي داخل المزرعة، وهي غير مرخصة وليست لها أية أوراق رسمية لدى الطب البيطري، وتم القبض على 8 عمال يذبحون الحمير داخل غرفة الذبح بجوار المزرعة، وقال مالك المزرعة إنه يربي الحمير من أجل توريد لحومها إلى السيرك، مؤكدًا أن هناك تعاقدات بينه وبين السيرك لتوريد هذه اللحوم كطعام للأسود.

وقامت شاحنة “لودر” تابعة لمجلس المدينة بدفن الحمير المذبوحة وأحشائها في مدفن تم حفره بجوار المزرعة، وبها قرابة 70 حمارًا مذبوحًا، بالإضافة إلى مئات الحمير الحية المعدة للذبح. فيما تداولت مصادر أمنية أنباء بأن لحوم هذه الحمير كانت في طريقها للتوزيع على المطاعم الشهيرة ومحلات الجزارة بالقاهرة؛ باعتبارها لحومًا صالحة للاستخدام الآدمي.

وعلى الفور، تناولت الوسائل الإعلامية الحديث عن هذه الواقعة، بينما ركز رواد مواقع التواصل الاجتماعي على السخرية من تدهور أحوال المصريين، وغياب الرقابة، وانتشار الفساد؛ وتداولت أنباء عن شحنة مواشي أهدتها الإمارات لمصر فقامت المحليات في مصر بنهبها.

وانتشرت حملة سخرية كبيرة على مواقع التواصل أن “كل مواطن مصري أكل حمارًا على الأقل في حياته”؛ لصعوبة التمييز بين لحوم الحمير وأي لحوم أخرى، كما قال مسؤولو وزارة الزارعة.

كما انتشرت شائعات، ونشرت صحف مغمورة ونشطاء معلومات غير مؤكدة عن أن سلاسل محال الكباب الشهيرة كانت تشتري لحومًا من هذه المزرعة؛ ما دفع الشركة المالكة لسلسلة مطاعم شهيرة لإعلان اعتزامها رفع قضايا تعويضات بنصف مليار جنيه على صحف ومواقع إخبارية نشرت استخدامها للحوم حمير في وجباتها.

وسخر إعلاميون من أنفسهم، مثل محمود سعد الذي قال: “أنا ياما أكلت لحم حمير وانبسطت منها وما حصليش حاجة”، وإن “مخي معصلج من أكل لحمة الحمير”.

لحم الحمير لذيذ!

الصدمة لم تكن اكتشاف ذبح الحمير وشائعات أنه تم توزيعها على محال وبيعها للمصريين، رغم عدم وجود أدلة على هذا؛ لكنها تمثلت في تصريحات المسؤولين التي خرجت لتطمئن المواطنين؛ إلا أنها زادت من قلقهم وصدمتهم، فوزارة الصحة سعت لتخفف من الأضرار الصحية لتناول لحوم الحمير مؤكدة أنها لا تضر وغير صحيح ما قيل عن وفاة من يأكلها.

بل تطرق الأمر للحديث “العلمي” عن فوائد أكلها؛ وهو ما يعيد للأذهان تصريحات نفس الوزارة بعد غرق مركب الفوسفات في النيل منذ شهرين، حينما قالت الحكومة وقتها إن خلط الفوسفات بمياه الشرب “مفيد لصحة الإنسان”.

إذ قال رئيس هيئة سلامة الغذاء التابعة لوزارة الصحة، حسين منصور، إن لحم الحمير مثله مثل أي لحوم أخرى إذا اتبعت الإجراءات السليمة أثناء الذبح، مشيرًا إلى صعوبة التفريق بين لحوم الحمير والقطط والكلاب واللحوم العادية إذا تم “فرمها”.

وفي مداخلة هاتفية مع قناة “العاصمة”، أوضح أن تداول لحم الحمير والكلاب في الأسواق المصرية ليس جديدًا، ولكن الجديد اكتشاف الأمر وتداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مضيفًا أن مشكلة لحم الحمير فقط أنه مخالف للشريعة ومقزز وممنوع ذبحه قانونًا، وختم حديثه ساخرًا: “متخافوش ولا هتنهقوا ولا هيحصلكم أي حاجة”.

وعلى نفس النهج، قال نقيب البيطريين الأسبق، مصطفى عبد العزيز، إن لحوم الحمير لا تسبب خطورة على صحة الإنسان، وإن “طعمها أفضل من لحوم الأبقار؛ لارتفاع نسبة المواد السكرية بها”.

كما وصف الرئيس السابق لإدارة التفتيش على المجازر بوزارة الصحة، لطفي شاور، لحم الحمير بـ “الطرية والمستساغة”؛ لاحتوائها على نسبة كبيرة من الجليكولين، وهو ما يعطيها طعمًا “مسكرًا”، إضافة إلى أن أليافها ناعمة.

والأغرب في تصريحات الرئيس السابق لإدارة التفتيش على المجازر هو ما أكده أن لحوم الحمير ساهمت في سد الفجوة الغذائية بمصر خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن المواطنين خدعوا كثيرًا، وتناولوا لحومًا مجهولة المصدر؛ بسبب رخص ثمنها، واتهم غياب الرقابة الحكومية بالتسبب في انتشار عمليات ذبح الحمير في مصر.

حرام شرعًا

فيما أثارت صحف وفضائيات الرأي حينما زعمت أن أكل لحكم الحمير مباح وليس محرمًا، وأن هناك فتاوى مصرية قديمة بهذا. حيث نشرت صحيفة “اليوم السابع” قائلة إن موقع دار الإفتاء نشرها قديمًا عن جواز تناول لحوم الحمير مع الكراهة، استنادًا للمذهب المالكي، بحسب ما نشرته الصحيفة. فيما ردّ “موقع إسلام ويب” بنشر فتوى قديمة تحرم أكل لحوم الحمير والكلاب والقطط؛ حيث أكد على اتفاق جمهور العلماء على حرمة أكل الحمير الأهلية، مستندًا إلى قول الإمام النووي: مالَ إلى تحريم الحمير الأهلية أكثر العلماء من الصحب فمن بعدهم، ولم نجد عن أحد من الصحابة فيه خلافًا إلا عن ابن عباس.

وتماشيًا مع حالة الجدل التي ثارت حول حكم لحم الحمير منذ الإعلان عن ضبط هذه المزرعة، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي فتوى قديمة نشرتها دار الإفتاء المصرية على موقعها الإلكتروني، وأكدت فيها أن أكل لحم الحمير جائز شرعًا مع الكراهة.

وأضافت الدار، في الإجابة عن سؤال وردها من أحد المواطنين: إن بعض المالكية يجيزون أكل لحم الحمير، بينما تحرمه باقي المذاهب استنادًا لحديث أنس بن مالك، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر مناديًا فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس، فأكفئت القدور وهي تفور باللحم”.

وبدلًا من مُساءلة الحكومة، ومطالبتها بتشديد الرقابة على الأسواق لمنع تكرار هذه الفضيحة؛ تبارت وسائل الإعلام المصرية في نشر العلامات التي تساعد المواطنين على التفريق بأنفسهم بين لحم الحمير ولحوم الماشية الأخرى. فيما شارك إعلاميون في ادعاء أنها ليست حرامًا، دون أدلة على ادعاءاتهم؛ ما أثار بلبلة دينية.

وقد نفت دار الإفتاء المصرية ما تداولته بعض المواقع الصحفية والفضائيات أن الدار أفتت بجواز أكل لحم الحمير، موضحة أن هذا الأمر غير صحيح ولم يحدث أن صدر عن دار الإفتاء المصرية فتوى بجواز ذلك، مؤكدة: “حرمة إباحة ذبح الحمير للاستخدام الآدمي، وإن أكلها حرام شرعًا”.

وقالت دار الإفتاء المصرية في بيان لها الخميس 11 يونيو، إن الأصل في الحمير أنه “لا يجوز أكلها ولا ذبحها، وهو ما يؤيد قرار وزارة الصحة رقم (517) لسنة 1986م بشأن ذبح الحيوانات وتجارة اللحوم، في مادته الثالثة”.

وأوضحت الفتوى أن “ذلك هو الذي اعتمدته دار الإفتاء المصرية عبر عقود مختلفة، بدءًا من فضيلة الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي (فتوى رقم 180، وفتوى رقم 389 لسنة 1992م)، مرورًا بفضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الطيب (فتوى رقم 202 لسنة 2002م)، وانتهاءً بفضيلة الأستاذ الدكتور شوقي علام في الرد على خطاب الهيئة العامة للخدمات البيطرية الصادر بتاريخ 16/ 1/ 2014م”.

وقالت إنهم جميعًا “أفتوا بحرمة ذبح الحمير للاستخدام الآدمي، مستدلين بما ورد في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية… وقال الإمام النووي في كتابه المجموع (6/9): لحم الحمر الأهلية حرام عندنا، وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف … وقال الخطابي: هو قول عامة العلماء”.

الحمير في التاريخ

وتحتل الحمير حيزًا غير قليل في موروثاتنا الثقافية؛ فالحمار في التراث العربي رمز الغباء والبلادة والصوت المنكر، وفي نفس الوقت رمز الصبر والتحمل والعطاء.

وقد تأسست في فرنسا جمعية للحمير ضمت صفوة مثقفي وفناني فرنسا، برئاسة فرنسوا ميل، ثم تأسست في مصر جمعية على شاكلتها عام 1930 كان رئيسها الفنان زكي طليمات وكان من بين أعضائها عميد الأدب العربي (طه حسين) وعباس العقاد وتوفيق الحكيم وسيد بدير، وترأس الجمعية الآن الفنانة نادية لطفي.

وهناك جمعيات شبيهة في سوريا ولبنان، وقد تمكن كردي عراقي من الحصول على موافقة بتأسيس حزب في العراق باسم حزب الحمير الكردستاني، كما اتخذ الحزب الديمقراطي الأمريكي الحمار شعارًا له.

وسبق للرئيس جمال عبد الناصر أن استثنى جمعية الحمير السورية من قرار حل الأحزاب والجمعيات أثناء الوحدة المصرية السورية.
ولقد أثبت العلم الحديث أن الحمار حيوان ذكي يتعلم ويفهم ويتحمل ظلم الإنسان.

ويكنى الحمار بـ “أبو صابر” و”أبو زياد”. ويقول الشاعر: زياد لست أدري من أبوه *** لكن الحمار أبو زياد

وتكنى الحمارة (الأتان) بـ “أم نافع” و”أم جحش” و”أم وهب”، وقد عرفت الحمير منذ 4000 سنة قبل أن تعرف الخيول بحوالي 2000 سنة.
ويستطيع الحمار أن يسلك الطرقات التي مشى فيها ولو مرة واحدة، ويتمتع بحدة السمع وهو من أقل الدواب مؤونة وأكثرها معونة وأقربها مرتقى، كما يقول المؤرخون.

حمير على تويتر!

لا يمكن أن تمر كلمة “حمار” على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” إلا ولها نصيب من البحث؛ إذ أنشأ أحد المغردين حسابًا (منذ عام 2012) باسم “الحمار”، له أكثر من 8000 متابع، ويهتم بالحمير كأحد الحيوانات التي يطالب بحمايتها من الإيذاء المستمر. وكما وصفه صاحب الحساب؛ فإن هذا الحيوان يتعرض للكثير من الاضطهاد والإيذاء مع أنه هو الصديق الدائم للإنسان.

ولا يتوقف هذا الحساب عند هذه المطالب، بل إنه يرد على المسيء، ويعيد “التغريد” للداعمين لفكرته، ويجذب العديد من المؤيدين، خاصة للمدافعين عن حقوق الحيوان. وطبقًا للحساب، رغم تعرض الحمار للظلم في أحيان كثيرة؛ فإنه يُهدي كل صباح باقة من الورود لصديقه الإنسان الوفي.

كما ظهر حساب آخر باسم “أنا حمار” يقول: “أنا حمار أبحث عن إخواني الذين تحولوا لبشر ونسوني، والبعض منهم تكبر عليّ، ويشتموني ويصفون أنفسهم بي، رغم أننا أهل وأبناء عمومة”.

عادل القاضي