أهم المقالات في الشاهد

الإثنين,11 أبريل, 2016
ديبلوماسي إيطالي: السيسي دكتاتور و لسنا مخدوعين حيال ذلك

الشاهد_القتل الوحشي لجوليو ريجيني يهدد “الصداقة الشخصية” بين رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على حد تعبير صحيفة ميدل است اي في تقرير لها نقلته الشاهد إلى اللغة العربية بعنوان “العلاقات بين روما والقاهرة تسوء بعد قتل الطالب”.

 

“اسمحوا لي أن أكون صريحا جدا. في هذه اللحظة، سيتم حفظ مصر فقط من خلال قيادة السيسي. هذا هو موقفي الشخصي، وأنا فخور بصداقتي معه. وأعتقد أن السيسي هو قائد عظيم، وهو صديق شخصي”.

 

تلك كانت كلمات رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي مشيدا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعد يوم من انفجار قنبلة خارج القنصلية الإيطالية في القاهرة في جويلية 2015.

 

وكان رينزي واحدا من أشد مؤيدي السيسي في أوروبا، واختار الرئيس المصري روما كأول وجهة له عندما قام بجولة في العواصم الأوروبية للمرة الأولى منذ توليه الرئاسة في عام 2014.

أما الآن، فإن القتل الوحشي لطالب الدكتوراه الايطالي جوليو ريجيني تعرض للخطر العلاقة الخاصة والمتنامية بين الزعيمين، ورينزي يتعرض لضغوط متزايدة لاتخاذ موقف صارم ضد صديقه المصري.

 

رينزي، الذي عادة ما يكون شخصية ودية مع وسائل الإعلام، لم يقدم بيانا عاما عندما تم الإعلان عن العثور على جثة ريجيني، وورود تشويه وتعذيب على جسده في إحدى ضواحي القاهرة في 3 فيفري.

 

وقالت الرئاسة المصرية أن السيسي قد دعا رينزي لتقديم تعازيه وأكد له أن السلطات المصرية ستعمل مع المدعين العامين ل”كشف الغموض المحيط بالحادث”، كما أخبره أن مصر ستتعاون تعاونا كاملا مع إيطاليا.

 

وردا على ذلك، رينزي “أشاد بروح التعاون الإيجابية” التي كانت مصر قد تعاملت بها مع الحادث، وأكد مرة أخرى “العلاقات الودية التي تربط بين البلدين وشعبيهما”.

 

حتى الآن، وبعد شهرين على الحادث، شهد عدم إحراز تقدم في التحقيق في وفاة ريجيني في ايطاليا يوم الجمعة استدعاء سفيرها من القاهرة لإجراء محادثات حول القضية.

 

ويتهم المسؤولون في روما نظرائهم المصريين بحجب المعلومات والوثائق عن جريمة القتل، في حين رفضت النيابة العامة الإيطالية المزاعم المصرية التي تقول بأن ريجيني قد تعرض للخطف من قبل عصابة إجرامية تنتحل صفة رجال الشرطة أو تورط في جريمة جنسية ودهس من قبل سيارة.

وبشكل غير رسمي، أيد دبلوماسيون ايطاليون الشكوك التي أعلن عنها في وسائل الإعلام الإيطالية من أن ريجيني، الذي كان باحث في النقابات والنشاط السياسي، كان في الواقع قد اعتقل وعذب وقتل على يد أجهزة الأمن المصرية.

 

وقال وزير الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني أمام البرلمان في وقت سابق من الأسبوع “ما لم يكن هناك وتيرة تغيير [من قبل مصر]، فإن الحكومة مستعدة للرد من خلال اعتماد تدابير فورية ومناسبة”.

 

لقد صدمت وفاة ريجيني إيطاليا، مع إيلاء كل الصحف الرئيسية فجأة اهتماما لما يحدث في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط في مصر. وإذا كان معظم الايطاليين سابقا غافلين إلى حد كبير أو غير مهتمين بسجل مصر السيئ في مجال حقوق الإنسان، فإن عددا قليلا يمكن أن يقبل الآن رواية الأحداث التي تقول بأن الأجهزة الأمنية المصرية ليست متورطة في قتله.

 

“لا أستطيع أن أقول لكم ما فعلوه به. تعرفت عليه فقط من خلال طرف أنفه. والبقية منه لم يعد جوليو،” كما قالت باولا ريجيني، أم جوليو، التي تحدثت بأسلوب مؤثر في البرلمان الإيطالي الأسبوع الماضي.

 

وبالنسبة لرينزي، أصبحت القضية إحراجا شخصيا ومعضلة سياسية على حد السواء.

حفلات ‘البونغا بونغا’.

 

وجدير بالذكر أن قادة إيطاليا ومصر تمتعوا لفترة طويلة بعلاقة خاصة، وإن كانت ملونة في بعض الأحيان. وكان رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلسكوني قريبا جدا من الرئيس الذي حكم لفترة طويلة في مصر حسني مبارك الذي ادعى أنه يعتقد أن فتاة مغربية تبلغ من العمر 17 عاما التي حضرت واحدة من حفلات “البونغا بونغا” سيئة السمعة التي تعنى بطقوس الجنس، كانت ابنة مبارك.

 

علاوة على ذلك، ترتبط روما والقاهرة معا بالمصالح المالية والسياسية العميقة التي غالبا ما تتجاوز الخلافات السياسية أو الحزب الحاكم.

 

وفي هذا الخصوص، قال جوزيبي دينتيسي، مساعد باحث في معهد الدراسات في السياسة الدولية لصحيفة ميدل است اي “من الناحية التاريخية، إيطاليا ومصر كانت لديهما علاقات جيدة منذ زمن الملك فاروق [الذي حكم مصر من 1936 حتى وفاته في عام 1952] والتي لم تتغير مع عبد الناصر. وكان الحال هو نفسه حتى في ظل رئاسة مرسي، وكذلك في ظل حكم السيسي”.

 

ومنذ توليه السلطة في عام 2014، قام رينزي بتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، مع وفود تتنقل باستمرار بين البلدين لعقد اجتماعات منتظمة.

 

كما تعتبر إيطاليا الشريك التجاري الرئيسي لمصر في الاتحاد الأوروبي، وقد وقعت شركة النفط الايطالية ‘ايني’ صفقة كبرى لاستكشاف وإدارة واحدة من أكبر حقول الغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط، قبالة ساحل الإسكندرية.

 

زيارة رفيعة المستوى قام بها وفد تجاري إيطالي، بما في ذلك ممثلين عن شركات تتراوح بين شركة صناعة السيارات فيات كرايسلر، ومقاول النفط والغاز سايبم وشركة السكك الحديدية المملوكة للدولة فيروفي ديلو ستاتو، تم قطعها عندما تم العثور على جثة ريجيني.

 

وقال دينتيسي أن “المحور الإيطالي المصري قوي جدا في مجموعة من القضايا الإقليمية والمتوسطية المختلفة، بما في ذلك ليبيا، ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية”.

 

وأضاف دينتيسي قائلا “ليس هناك دائما تقارب كامل في المصالح، كما هو الحال مثلا في ليبيا، حيث التدخل المصري يصطدم مع جهود إيطاليا للوصول إلى حل دبلوماسي، ولكن يمكن أن تعتبر من الحلفاء المقربين”.

 

وقد قلل رينزي دائما من انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، مفضلا التشديد على دور القاهرة في مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في البحر الأبيض المتوسط.

 

وقال دبلوماسي إيطالي رفض الكشف عن اسمه “نحن نتعامل مع نظام ديكتاتوري، ليس هناك مزح حول هذا الموضوع. ونحن لسنا مخدوعين حيال ذلك”.

 

وتابع بالقول “نحن نعيش في دولة استبدادية حيث يمكن للحكومة أن تفعل ما تشاء. ولكن لا يمكننا أن نفعل الكثير حول هذا الأمر بصراحة”.

 

ويقول منتقدون أن روما قد تكون الآن تدفع ثمن سياسة “قصيرة النظر” في ما يتعلق بالسيسي.

وقال لوسيو كاراتشولو، رئيس تحرير لايمز، وهي مجلة جيوسياسية إيطالية لصحيفة ميدل است اي “انه لم يأخذ في الاعتبار هشاشة الدكتاتورية العسكرية وخطر التورط في رواية السيسي عن الحرب على الإرهاب؛ وهذا هو، للنظر في كل المعارضة – بما في ذلك الحركات العلمانية وأنصار كرة القدم- كإرهابيين”.

 

ومع فقدان المسؤولين الايطاليين صبرهم وبناء ضغط الرأي العام، فإن الشعور السائد في روما هو أن خط يتعين رسمه. وبالنسبة لرينزي، المعضلة هي أن موقف دبلوماسي متشدد بشأن قضية ريجيني يمكن أن يكون له عواقب الضربة القاضية على المصالح الإيطالية في أماكن أخرى.

وبناء على ذلك، في ليبيا، يمكن لإيطاليا أن تفقد حليفا مهما وشريكا، في حين أن المواجهة الدبلوماسية يمكن أن تقوض الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي لأعمال العنف والانقسامات السياسية هناك. ويمكن أيضا أن تكون مئات المليارات من الدولارات في صفقات تجارية معرضة للخطر.

 

وفي الوقت نفسه، فإن وصول الصيف يعني زيادة متوقعة في عدد المهاجرين واللاجئين الذين يحاولون العبور من شمال أفريقيا إلى صقلية. وفي حال انهيار العلاقات، يمكن أن نرى مصر تغض الطرف عن المهربين والسماح لمئات القوارب بالإبحار من سواحلها.

 

كما يجد السيسي نفسه في موقف صعب. إضافة إلى أن العلاقات الثنائية بين البلدين متوترة ليس فقط مع ايطاليا ولكن أيضا مع روسيا والمملكة المتحدة منذ أن ادعى تنظيم “داعش” تفجيره لطائرة ركاب روسية المغادرة من شرم الشيخ في أكتوبر الماضي والإلغاء لاحقا للرحلات السياحية إلى منتجع البحر الأحمر.

 

ومع ذلك، فإنه بالنسبة للسيسي، قد تكون حماية الأجهزة الأمنية التي حافظت عليه حتى الآن في السلطة يبرهن على أن يكون للقلق أكثر إلحاحا وعملي من استرضاء الحليف الأجنبي.

 

وبعد كل شيء، فإنه سيكون على هذا الجهاز الأمني نفسه – وليس على إيطاليا – أنه سينظر بدوره في الحماية في حالة انتفاضة أخرى.

 

ترجمة خاصة بموقع الشاهد