أهم المقالات في الشاهد

الأحد,25 أكتوبر, 2015
دميتي الأولى ..

الشاهد_لشدّ ما كانت تستهويني الدّمى !

أذكر أوّل عهدي بإحداها عندما كنت في الخامسة من عمري , على ما أظنّ, .. كنت في زيارة لجدّتي بمناسبة عيد الفطر , و كعادتنا في الأعياد نجتمع , كلّ أفراد عائلتنا الممتدّة , في ضيعة الجدّة ….

و هناك لمحت بحوزة ابنة خالي دمية (أو كما نقول بالتونسي ”عْروسة” ) ! شقراء الخصلات , زرقاء العيون , ممشوقة , في أبهى حلّة .. غاية في الرّوعة أمام عَينيّ اللتَيْ لم تريَا لها مثيلا ..! ياااه كم غبطتها عليها !! .. 

لاحظَت جدّتي نظراتي المتطلّعة للدّمية , و على الوهلة أعدّت عدّتها و شرعت تخيط لي دمية من القماش و الصّوف .. ههه لشدّ ما أحببتها على بساطتها و بدانتها !! سعدت بها كثيرا و أسميتها ”فرح” .. اتّخذتها ابنة لي , و صرت أحدّثها و أتحدّث بإسمها , كانت لا تفارقني البتّة بالرّغم من تذمّرات والدتي المتكرّرة إذ كانت تتشاءم منها , تقول لي : ”بْنَيّتي موش مليح ترقّد بحذاك عْروسَه !!” و تحاول إخافتي بأنّ أرواحا شرّيرة تتلبّس الدّمي ليلا , و لكنّي رغم تصديقي لكل حرف تنبس به أمّي ما كنت لأفارق ”فرح” ..

مرّت السّنون , كبرتُ , و نسيت ”فرح” ..

و ما عادت تستهويني لا الدّمى و لا أحاديثي معها .. صارت حياتي سباقا مع الرّكب , جافّة , ناشفة, فقيرة من الجمال ! جمال البساطة التي أثرتنا بها طفولتنا , ليستنزفها منا ما يليها من الزمن ! أيّام كانت قطعة الحلوى كفيلة بتلوين يومنا ؛ نقضّيه في غمر غبطتنا ..!

لا أحنّ إلى دميتي ”فرح” بقدر ما أحنّ إلى فرحي بها … إذ لم يحدث لي بعدها , أي في الأعوام الخوالي , أن حضيت بذاك القدر من السّعادة الحِقّة !سعادة الصّبى التي بلغت ذروتها على بساطة مظاهرها ..!

أتساءل ههنا , لماذا نفذ تَيْنك الكمّ و النّوع من السّعادة؟! أَ بِإندثار ”البساطة” اندثرت دهشتنا بالتفاصيل؟؟ و ما اندثار البساطة إلّا بإستفحال التكنولوجيا و استيطانها في حَيَواتنا , فصارت الشّغل الشّاغل لنا, من أكبرنا لأصغرنا سنّا , و هو ما أفقد الطّفولة معناها , فترى طفل اليوم لا تجذبه كجّو و لا خضروف كسالف عهدٍ, بل تجده منذ بزوغ الشمس لمغيبها , منكبّا على حاسوبه , أو منغمسا في لوحته الرقمية , غير آبهٍ بما يجول حوله , و هو لا يدرك أنّه , بذلك , يستنزف أجمل لحظات بإمكانه قضاؤها في حياته إطلاقا, لحظات لا تشترى و لا تعوّض بالذّهب .. !

يقول أبو العتاهية : “ألا ليت الشباب يعود يوما” و اقول انا : “الا ليت الطّفولة تعود دهرا.. ” ..

 

سوسن