أهم المقالات في الشاهد

السبت,23 يناير, 2016
دروس أسبوع من الغضب الشبابي

زياد كريشان

أسبوع من الغضب والاحتجاج الشبابي انطلق يوم السبت الماضي من القصرين إثر انتحار المغفور له رضا اليحياوي ثم اتسعت رقعته لتشمل جل ولايات الجمهورية ثم شاهدنا سعي بعض مجموعات من المنحرفين

لاستغلال الاحتجاج الشبابي للقيام بعمليات نهب وسرقة كما لا يُستبعد تسلّل عناصر تكفيرية للاستفادة من هذه الأوضاع..

ولكن يبقى الأساسي والذي لا ينبغي أن يضيع في غمار الضجيج أنّ الاحتجاج كان منطلقه الأصلي والوحيد هو شعور الشباب المعطل والمهمّش بالغبن وبأنهم مازالوا على قارعة طريق التنمية قبل الثورة وبعدها..

 

هنالك دروس وعِبَر يجب أن تبقى عالقة في أذهاننا بعد هذا الأسبوع الأول والذي انتهى بإعلان الحكومة يوم أمس حظر الجولان على كافة ولايات الجمهورية..

 

أهم هذه الدروس أن الثورة التونسية قامت لأن وضع التهميش التي تعاني منه جهات وفئات بعينها لم يتحرك قيد أنملة نحو الأفضل.. وأن الحكومات المتعاقبة منذ الثورة لم تع بما فيه الكفاية بأن استحقاق الكرامة وجوهره الشغل يستدعي سياسات عمومية جريئة ومجددة.. ولكن هذا لم يحصل إلى يوم الناس هذا بل بقينا نعالج هذا الوضع الاستثنائي المتفجّر بعقليات وسياسات تقليدية وكأننا بلاد تشهد نموا قويا ومتسارعا ولا وجود لديها لبطالة مرتفعة ولا سيما عند حاملي الشهادات العليا..

 

الدرس الثاني هو التعامل المثالي لقواتنا الأمنية فإلى حدّ يوم أمس ورغم العنف الشديد الذي صاحب بعض التجمعات الشبابية فإن قواتنا الأمنية مارست أعلى درجات ضبط النفس ولم تلجأ بالمرة إلى استعمال مفرط للقوة ودفعت ثمن ذلك شهيدا من أبنائها المغفور له سفيان البوسليمي كما أصيب العشرات من الأمنيين بجروح متفاوتة وتعرضت مقرات وممتلكات أمنية للحرق وفي كل مرة تجنب الأمنيون حالا لا يُحمد عقباه.. فلا بد من تحية إكبار وإجلال لكل هؤلاء لأن برودة أعصابهم وقدرتهم على التحمل جعلت الاحتجاجات لا تخرج، رغم كل شيء، على السيطرة..

والدرس الثالث هو أن للديمقراطية في بلادنا بعض الأعداء ولا شك ولكن أنصارها كثر في كل المستويات.. مواطنون وحتى شباب محتجون هم الذين يحمون الممتلكات العامة والخاصة ويقفون ضد من يريد تشويهها واستغلالها.. وأحزاب المعارضة والحكم ومنظمات، وعلى رأسها اتحاد الشغل، كلها دعت إلى التهدئة وكلها دافعت على حق الشباب في الاحتجاج السلمي وكلها حذّرت من التوظيف السياسي أو الإجرامي أو الإرهابي..

 

ولكن يبقى الدرس الرابع والاهم هو أن الاحتجاج قد وضع من جديد المسائل الأساسية للمجتمع التونسي في قلب الحوار الوطني: التفاوت الجهوي.. البطالة المتفشية والتهميش المستفحل جيليا وجهويا.. وابتعدنا مدة أسبوع – والحمد لله – عن صراع الشقوق الذي شدّ أنظار الجميع طيلة أسابيع طويلة..

 

وعندما وضعت هذه المواضيع الأساسية على سطح الأحداث – ولو بشيء من العنف أحيانا – اكتشفنا مشدوهين بأن السلط المنتخبة وكأنها غير مهيأة للإجابة عنها وأن الحلول التي اقترحتها – وجلها إجراءات متضمنة في ميزانية 2016 – لم تلج جوهر الموضوع…

 

والغريب أن الوثيقة التوجيهية التي اعتمدتها الحكومة لإعداد مخطط التنمية 2020-2016. تضع كأحد أهدافها الحد من نسبة البطالة والتخفيض منها إلى حدود %11 سنة 2020 بعد أن وصلت %15,3 في الثلاثي الثالث لسنة 2015..

 

وهذا يفترض أن نحدث حوالي 120,000 موطن شغل سنويا وحتى لو افترضنا تحقيقنا لمعدل نمو في حدود %4 خلال هذه الخماسية (وهو أمر مستبعد إلى حد ما) فهذا لن ينتج، على الأقصى، سوى 70,000 موطن شغل حقيقي.. فماذا فعلنا في الخمسين ألف المتبقية سنويا؟!

 

إزاء هذا التساؤل المحوري لم تقدم إلينا الحكومة في حزمة إجراءاتها سوى مسكنات ظرفية لا ترقى إلى معالجة جدية لهذا الملف الأساسي لحاضرنا ومستقبلنا.. وبقيت الحكومة إلي حد الان أسيرة قوالب ذهنية وايديولوجية لا تتناسب البتة مع الواقع الانتقالي لتونس اليوم.. فإذا كانت الدولة هي المسؤولة الأولى عن التنمية فمن باب أولى وأحرى أن تكون مسؤولة عن التشغيل المباشر وإن كان ذلك بصفة ظرفية.

 

كل ما نرجوه عندما تهدأ الأوضاع ألا ننسى من جديد هذا الاستحقاق المركزي للثورة التونسية وألا نعود إلى المقاربات الكلاسيكية غير الناجعة لمشاكل البلاد والعباد..

وهذا النقد – كما إجراءات الحكومة – ينسحب على الجميع: أحزابا سياسية ونخبا فكرية وناشطين جمعياتيين وإعلاميين.. كفانا جميعا من الزبد الذي يذهب جفاء ولنهتم جميعا بما ينفع الناس..

 

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.