وطني و عربي و سياسي

الخميس,12 مايو, 2016
خليفة بوتفليقة.. يحيّيكم

الشاهد _ ثمّة بالون اختبار كبير، يتم حالياً إطلاقه في سماء الجزائر، اسمه الوزير السابق للطاقة شكيب خليل، هدفه، على ما يبدو، قياس درجة حرارة الشارع الجزائري، لإمكانية أن يكون هذا الوزير السابق الخليفة الذي سوف يرث عرش الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ومع ذلك، لا أحد في الجزائر في وسعه أن يجزم، في ظل عدم وضوح الرؤية بشأن إمكانية إجراء انتخابات رئاسية مسبقة، على بعد ثلاث سنوات من الموعد الرسمي للانتخابات الرئاسية (أفريل 2019)، بأن الصراع على خلافة الرئيس المريض قد حُسم، أو أن العصب المتصارعة داخل النظام الجزائري، في غياب أي تأثير للمعارضة على هذه المعادلة، قد اتفقت على ما يعرف في الجزائر بمرشح الإجماع، داخل تلك العصب الحاكمة. إلا أن بالون “الخليفة المفترض” شكيب خليل الذي كان، إلى وقت قريب، على رأس أكبر فضيحة فساد في البلاد، يصنع الحدث اليوم في الجزائر بامتياز، ويخطف الأضواء بالكامل من الجميع، وهو يتحرّك بدعم واضح من محيط الرئيس بوتفليقة، كما تسخّر له وسائل الدولة والإعلام الموالي، ومشايخ الإسلام التقليدي، في حملةٍ انتخابية مسبقة، تحمل غرائب وطرائف كثيرة، وخروجاً عن روح العصر، إلى درجة أنه خاطب الشعب الجزائري بعبارات فيها دلالات كثيرة. ففي أسبوع واحد، توجه “الرئيس المفترض”، شكيب خليل، بخطابين للشعب الجزائري، في حين لم يسمع الجزائريون من رئيسهم “الفعلي” كلمة واحدة منذ خطابه في مدينة سطيف العام 2012 (إذا ما استثنينا خطاب القسم لولاية رابعة فيأفريل 2014)، حيث قال، في خطابه الأول، وعلى الرغم من أنه لا يحوز أي صفة رسمية، مخاطبا الجزائريين عبر صفحته الرسمية في “فيسبوك” “أود أن نشتغل معاً، لكي تبقى بلادنا الجزائر تتطور في أمن وأمان، وفي إطار ترقية اقتصادية متواصلة ومستدامة، وتضامن مع كل المواطنين المحتاجين..”، من دون أن يوضح بأي صفة سيشتغل مع الجزائريين لتطوير البلاد، أو كيف اختص فئة المحتاجين بالذات، ليدغدغ عواطفهم. وخرج في الخطاب الثاني الذي بثته قناة النهار المقربة من الرئاسة، ليدافع عن نفسه في موضوع اتهامات جهاز المخابرات (قبل إقالة مديره الجنرال توفيق) له بالفساد، منوهاً إلى أن الشعب كله يحبه، وأن الذين يقولون عنه سارقاً لا يتجاوزن خمسمئة شخص، وإنه لا يملك في الجزائر سوى حساب واحد، فيه مليون دينار فقط (10 آلاف دولار)، وحساب في سويسرا به 900 ألف يورو، قبل أن يهاجم المصالح الفرنسية في الجزائر، ما يثبت ما يقوله خصومه إنه رجل أميركا القادم في الجزائر.

هل هو خليفة بوتفليقة بالفعل، وقد جاء يحيي الجماهير في بروفة قصيرة؟ ليس هنالك تأكيد لهذه الفرضية القوية، لكن أسئلة كثيرة تطرح في السياق، منها: لماذا يُفسح المجال لهذا الشخص تحديداً ليتحرّك بهذا الشكل، من مدينة إلى أخرى، ومن زاويةٍ إلى أخرى؟ ولماذا يحظى بكل هذه التغطية الإعلامية؟ من هي الجهة التي أعطت الأوامر لشيوخ الزوايا لكي تنصاع لرغباته؟ وهل الأمر مؤشر على أن محيط الرئيس باتوا على قناعةٍ بأن بوتفليقة لن يقدر على إكمال عهدته الرابعة التي ما زال في عمرها ثلاث سنوات؟ أم أن القصة، كما يذهب آخرون، لا تعدو أن تكون سيناريو محبوكاً للإلهاء وتوجيه الأنظار، في انتظار أن يفصل أصحاب القرار، بمختلف مراكزهم، في خليفة بوتفليقة؟

تراود مثل هذه الأسئلة، وغيرها، الجزائريين بقوة، غير أن الرسائل التي وجهها شكيب خليل للجزائريين، على بساطتها، تتجاوز حدود محاولة تبرئة النفس، من اتهامات الفساد. إنها محاولة واضحة للعب دور سياسي مستقبلي في غاية الأهمية، قد يصل إلى حد تولي قيادة البلاد برمتها، بتزكيةٍ مباشرةٍ من محيط الرئيس بوتفليقة نفسه، خصوصاً وأن شكيب خليل ظل، وما يزال، من أقرب المقربين من الرئيس، وكانت الاتهامات التي وجهت لخليل بالفساد سبباً في ثورة الرئيس على جنرالاتٍ كثيرين.

ولأن الرئاسة في الجزائر لم تكن يوماً لعبة صناديق انتخابية، أو إرادة شعبية، فإن صراع “الرئاسة في الجزائر لم تكن يوماً لعبة صناديق انتخابية أو إرادة شعبية” العصب ومراكز القوى هي التي ستحسم الأمر في النهاية، ويكفي أن خليل يتحرّك اليوم بالميكانيزمات والآليات نفسها التي تحرّك بها الرئيس بوتفليقة العام 1999، فعلاوة على أن الرجلين ولدا في وجدة المغربية، وأن أصولهما معا من تلمسان في غرب الجزائر(الصراع الجهوي في السلطة الجزائرية قائم منذ الاستقلال بين الشرق والغرب ومنطقة القبائل)، فقد اعتمدا معا على الزوايا والطرق الصوفية في جلب المؤيدين، على حساب الإسلام الحضاري، كما أن الاتهامات التي يواجهها اليوم شكيب خليل بالفساد في قضية “سوناطراك” لا تختلف كثيراً عن اتهامات طاولت الرئيس بوتفليقة، بداية الثمانينيات، في ما تعرف بقضية مجلس المحاسبة في أموال وزارة الخارجية.

هذه بعض أوجه الشبه بين الرجلين، وليس كلها، وهي لا تعني بالضرورة أن البساط الأحمر لشكيب خليل قد فُرش له نحو قصر المرادية، فداخل النظام نفسه توجد عصب أخرى، لا توافق هذا الطرح، أو هي تلعب لحسابها حالياً، وإن كانت ضمن المجموعة التي ساهمت في انتصار الرئاسة على جهاز المخابرات، ويقف على رأس هذه الأجهزة جزء كبير من الجيش، وتحديداً قيادة الأركان، بقيادة الجنرال أحمد قايد صالح، وواجهته السياسية زعيم حزب جبهة التحرير الوطني، عمار سعيداني.
وتظهر علامات هذا التمزق في اللغط الذي حصل في أعقاب نشر الإعلام الفرنسي بعد زيارة رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، صورة اعتبرت مسيئة للرئيس، كما توضحت أكثر بعد رسالة التهنئة الشخصية التي قدمها الرئيس إلى مدير ديوانه أحمد أويحيى، بعد انتخابه قبل أيام على رأس التجمع الوطني الديمقراطي، حزب الموالاة الثاني في البلاد، في حين لم يقدّم الرئيس بوتفليقة تهنئته لزعيم جبهة التحرير عند انتخابه على رأس الحزب، وتولى تهنئته الجنرال قايد صالح، ما أدى إلى ضجةٍ كبرى في البلاد وقتها.

وتأخذ هذه الصراعات بين أقطاب النظام نفسه أهميتها الكبيرة، لإدراك الجميع أن لا حظ لرجال المعارضة في الوصول إلى الرئاسة، فقد ظلت جماعات القوة والسيطرة، في الجيش والمخابرات، منذ استقلال الجزائر العام 1962، هي من تصنع الرؤساء وتصدّرهم للشعب الذي ما عليه سوى المصادقة على عمليات التصنيع تلك في الكواليس المعتمة، بل إن الشعب الجزائري لم يسبق له وأن اختار رئيساً بمحض إرادته الكاملة، أبداً، حتى وإن شكلت صورة هواري بومدين الاستثناء بين هؤلاء، من ناحية حب الجماهير له.

فرض الجيش أحمد بن بلة على الحكومة الجزائرية المؤقتة، غداة استقلال البلاد سنة 1962 بالقوة، قبل أن ينقلب عليه وزير دفاعه بومدين في 1965، كما اختار الجيش سنة 1979 بدعم جهاز جبهة التحرير تولي العقيد الشاذلي بن جديد، قبل أن تتولى مجموعة الجانفيين، من عتاة العسكر والمخابرات، الدفع بالشاذلي للاستقالة، عقب فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ عام 1992، والإتيان بالرئيس محمد بوضياف من منفاه في المغرب، قبل أن يتم اغتياله في ظروفٍ غامضة، بعد أن قرّر مواجهة المافيا، ولم يكن علي كافي الذي ترأس المجلس الأعلى للدولة إلا صورة للإرادة التي فرضها الجانفيون الانقلابيون، قبل أن يأتوا بالجنرال اليامين زروال رئيساً بالأساليب نفسها، ولما تقرر الاتيان ببوتفليقة، كان لزاماً على المجموعة نفسها أن تختار من تراه مناسبا للمرحلة، فكان مجيء بوتفليقة نتيجة توافقات القوى نفسها صانعة الرؤساء.

والمثير أن كل رؤساء الجزائر السابقين كانوا عسكريين أو من خلفية عسكرية، ما عدا الرئيس بوتفليقة الذي تمكّن بعد صراعٍ مرير من قلب الطاولة على الجنرالات، فأزاح عدداً كبيراً منهم، وفي مقدمتهم “صانع الرؤساء” الفريق مدين، بل واعتُقل وسُجن آخرون على شاكلة الجنرالين حسان وين حديد، لتبقى المعركة الأخيرة والحاسمة هي في مدى قدرته، أو بالأحرى في مدى قدرة شقيقة، في ترسيخ قواعد جديدة لاختبار الرئيس المقبل، يضمن لآل بوتفليقة عدم المحاسبة. فهل يتمكن جناح بوتفليقة من وضع هذه القواعد الجديدة؟ الأكيد أن إطلاق بالون شكيب خليل واحد من تجليات محاولة وضع هذه القواعد الجديدة، حيث صكوك الغفران في الزوايا (الطرق الصوفية) إلى جانب الدبابة والمال السياسي أوراق مهمة للغاية، وبمباركة القوى الدولية، وفي مقدمتها فرنسا وأميركا، أما الشعب الذي هو بنص الدستور مصدر السلطات فله رب اسمه الله.

العربي الجديد