كتّاب

الأحد,28 فبراير, 2016
خفايا الغارة الأمريكية على صبراتة الليبية

سامي الجلّولي

سوف لن ابحث في أسرار العملية الاستخباراتية التي قادت الطائرات الأمريكية إلى قصف موقع مقاتلي “تنظيم الدولة” في مدينة صبراتة الليبية ولا الجهات التي تعاونت لضرب موقعهم، بل ماهي الدروس والنتائج المستقاة من هذه الضربة التي عرّت العديد من الحقائق التي كانت مغيّبة وكشفت الكثير من الجوانب في مفاصل بعض الجهات النافذة.

 

أولا، اتهام أطراف ليبية (رسميّة وغير رسميّة) للدولة التونسية أو لأطراف نافذة في تونس بوقوفها وراء ما يعرف بتصدير الإرهاب إلى ليبيا يقابله اتهام الجهات التونسية لأطراف ليبية بالمساعدة في تهريب وإيواء ودعم ومساندة والتخطيط والتدريب والتسليح لجماعات إرهابية ثبت بعد عودتها من ليبيا القيام بعمليات إرهابية على التراب التونسي تبقى اتهامات صحيحة ولا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار التهم التي تتبادلها الأطراف الليبية والتونسية.

 

ثانيا، أن الغارة الأمريكية كشفت وجود “مقاتلي تنظيم الدولة” في الغرب الليبي رغم إنكار بعض الجهات الليبية لوجودهم طيلة السنوات الماضية، رغم تكرّر الاتهامات التي لم تكن تخلو من أدلّة وبراهين حاسمة كاعترافات بعض التائبين أو الذين وقع الإمساك بهم أو كذلك أسماء الذين قتلوا في الغرب الليبي من خلال تتبع مسار تنقلاتهم من طرف بعض أجهزة الاستخبارات.

 

ثالثا، وجود عدد كبير من التونسيّين المقاتلين في ليبيا وهذا تهديد لأمن وسلامة المواطن والدولة الليبية. وإن كان هذا الأمر غير خاف بحكم الانتشار الكبير للمقاتلين التونسيّين على التراب الليبي في أماكن عرفت بتواجد التنظيم كسرت واجدابيا وبنغازي ودرنة وفزّان ومنهم من ادّعى وجود “تنظيم الدّولة” في طرابلس رغم إنكار “جهات ليبية” لذلك.

 

رابعا، رغم تواجد هذا العدد الكبير من التونسيّين في صفوف التنظيم داخل ليبيا إلا أنّه لا أدوار قيادية لهم فالقادة لهذه المجموعات لم يكونوا تونسيّين مثلما كان يروّج في أنحاء أخرى من ليبيا بل هم ليبيّون وما التسجيل المصوّر الذي بثّته ما يعرف “بقوات الردع الخاصة” بعد عملية صبراطة إلا الدليل على أن القيادات من جنسيات ليبية معروفة، تنحدر من قبائل ليبيّة يتمدّد وجودها داخل أنحاء مختلفة من التراب الليبي.

 

خامسا، لقد عرّت عملية صبراتة وما تبعها من انهيارات واعترافات، وقوف جهات ليبية وراء احتضان ودعم وتدريب وتسليح المقاتلين التونسيين والزجّ بهم في صراعات ليبية  -ليبية الخاسر فيها المجتمع الليبي. فلا أعتقد أن تواجد التونسيين بهذا العدد الكبير وتنقّلهم داخل أرجاء ليبيا الشاسعة ضمن مجموعات مسلّحة وقيامهم بتدريبات قتاليّة واكترائهم لبيوت على ملك ليبييّن والعيش فيها… لم يكن أمرا مسترابا ولم يثر حفيظة السكّان أو كان بمعزل عن السلط الأمنية هذا إذا سلّمنا بوجود سلطة من ناحية المبدأ وبمجابهتها للإرهاب ثانيا.

 

إنّ كلّ هذه القرائن دليل قاطع على تورّط جهات ليبية نافذة تعمل من أجل عدم حصول أي توافق أو اتفاق بين كافّة الأطراف الليبية المتنازعة أو المختلفة حول رؤيتها لكيفية إدارة البلاد وطرق تسييرها وأولوياتها السياسية وهي أساسا ضدّ قيام دولة نظاميّة.

 

سادسا، لقد أكّدت عملية صبراطة تورّط جهات تونسية وليبية من داخل تونس في استدراج، دمغجة، تجنيد والزجّ بالشباب التونسي في أتون حرب خاسرة، لن يكون بإمكان أي طرف الانتصار فيها لاختلاف مشارب المتداخلين من جماعات “جهادية” ومافيا التهريب، تتداخل بدورها مع ارتدادات لنوازع قوميّة وقبائلية وعرقيّة ممّا يجعل الملفّ الليبي أكثر تعقيدا، حيث تظهر حالة من التشابك والتداخل لم يعرف لها العالم المعاصر مثيلا.

 

سابعا، تورّط مجموعات ليبية مقيمة أو زائرة لتونس بمساندة مجموعات تونسية في تكوين شبكات إجرامية تتخّذ من تونس مقرّا لعمليّاتها حيث يتمثّل دورها في التوسّط لإبرام صفقات سلاح مع جهات أجنبية لصالح بعض القبائل والمليشيات الليبية وهو ما أصبح يعرف “بمقاولات السلاح” التي تحوّلت إلى تجارة مربحة وهذه حقيقة على السلطات التونسية البحث فيها.

 

ثامنا، وإن أظهرت عمليّة صبراتة أنّ الأمريكان لا تخفى عنهم خافية ولو أرادوا إنهاء الأزمة الليبية لأنهوها وأنّه مثلما استطاعوا الوصول إلى صبراتة فبقدرتهم الوصول إلى أي مكان يتواجد فيه الإرهاب إلاّ أنّ بواطن الضّربة الحقيقيّة لم تظهر بعد وهو ما يجعلني أتردّد في الاعتراف بالنوايا الطيّبة وأنّ هذه العمليّة إمّا لإخفاء ملفّات ليس من مصلحة الأمريكان انكشافها أو أنّ مجموعة صبراتة استنفذت مهامها أو أنّ العمليّة في حدّ ذاتها تحضيرا لعمليّة أكبر من ذلك.

 

تاسعا، علينا الإقرار بأنّ بعض الدول الغربية والأخرى العربية المتداخلة في الملفّ الليبي لها حسابات غير حسابات الشعب الليبي أو التونسي وأنّه من مصلحتها إذكاء نار الأزمات وإشعال فتيل الحرب وأنّ ما يحدث في ليبيا أكبر بكثير من مجرّد عمليّات تحدث هنا وهناك أو تخمينات ومعلومات ترد من هنا وهناك. ما يحدث أكبر بكثير من قدرة ليبيا المنهكة على استيعابه.